--:--
اسرائيل وسط عمليات تمشيط مكثفة.. قتيل و6 مصابين في هجوم إطلاق نار بمنطقة كوخاف يائير وسط عمليات تمشيط مكثفة.. قتيل و6 مصابين في هجوم إطلاق نار بمنطقة كوخاف يائير ترمب: إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي.. وسعيت لإضافة بند يمنع الالتفاف على الاتفاق إسرائيل تقصف الضاحية الجنوبية لبيروت متجاهلة ضغوط ترمب.. وتصعيد يهدد تفاهمات وقف #عاجل | ترمب لإن بي سي: إذا قتلت #إيران مزيدا من الأمريكيين فسأفكر بجدية بالغة في استئناف العمل العسكري

تغيير الأسماء لا يغيّر الحقائق

Salah Kirata • ٧‏/٦‏/٢٠٢٦

44352.jpg


تغيير الأسماء لا يغيّر الحقائق:

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في السياسة، كثيرًا ما يُعوَّل على الذاكرة القصيرة للشعوب، اذ يظن بعض الساسة أن تغيير الاسم، أو تعديل الخطاب، أو استبدال الزي العسكري ببدلة رسمية، كفيل بإعادة إنتاج الشخص ذاته في صورة جديدة أكثر قبولًا، لكن التجارب أثبتت أن المجتمعات التي دفعت أثمانًا باهظة من دمائها وأعمارها لا تنسى بهذه السهولة، وأن الوعي العام لا يُختزل في حملة علاقات عامة أو عملية تجميل سياسية.

من هذا المنطلق، تبدو محاولة تقديم هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من جماعات إسلامية ذات جذور جهادية وكلها كانت مصنفة إرهابية تحت مسمى قوات " ردع العدوان " وكأنها جزء من مشروع أوسع لإعادة التسويق السياسي أكثر من كونها مراجعة حقيقية للماضي أو تحولًا جذريًا في الفكر والممارسة، فالمشكلة ليست لا في الاسماء الحركية ولا في التسميات الفصائلية، بل في الفكرة التي تقف خلف تغييرها؛ أي الاعتقاد بأن الجمهور يمكن أن يتعامل مع الشخصيات التي تقدم له على أنها اعتبارية سواء أكانت أفرادا ام جماعات وكأنها علامات تجارية قابلة لإعادة التغليف كلما اقتضت الظروف.

ليس من المنطقي مطالبة السوريين بالتعامل مع التحولات الشكلية باعتبارها تحولات جوهرية، فالتاريخ لا يُمحى بقرار إداري، والسير الذاتية للأشخاص والجماعات لا تُعاد كتابتها بمجرد اعتماد تسمية جديدة...

معلوم:
أن الشخصيات العامة تُقاس بمسارها وأفعالها ومواقفها، لا بالأسماء التي تحدد لها في مراحل مختلفة من حياتها السياسية...

وفي المقابل، فإن رفض هذا الأسلوب لا يعني بأي حال الدفاع عن النظام السابق أو تبرئة ممارساته، فلقد عانى السوريون لعقود من الاستبداد والقمع والفساد، وكان من حقهم المطالبة بالتغيير والحرية والكرامة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول رفض استبداد قائم إلى قبول غير مشروط بأي بديل يطرح نفسه باعتباره المنقذ الجديد، فالتجارب السياسية تعلمنا أن الاستبداد لا يرتبط بأشخاص محددين بقدر ما يرتبط بثقافة السلطة المطلقة وغياب المساءلة والشفافية...

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة خارجة من الصراع هو استبدال عبادة شخصية بأخرى، أو الانتقال من رواية أحادية إلى رواية أحادية جديدة، فالدول لا تُبنى على الزعامات الفردية، ولا على الجماعات المؤدلجة، بل على المؤسسات والقوانين والتوازنات التي تمنع أي طرف من احتكار الحقيقة أو السلطة...

برأيي:
 لا ينبغي أن يكون السؤال:
-  ما الاسم الذي تحمله السلطة السورية اليوم؟...
-  بل ما المشروع الذي تقدمه هذه السلطة لسورية؟..
- وما موقف هذه السلطة من الحريات العامة؟...
- وكيف ينظر إلى التعددية السياسية؟ وما الضمانات التي يقدمها لعدم إعادة إنتاج أنماط الحكم التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية التي تستحق النقاش، أما الأسماء والشعارات والصور الجديدة فتبقى عناصر ثانوية لا تكفي وحدها لبناء الثقة...

لقد دفع السوريون ثمنًا باهظًا كي يمتلكوا حق الشك وحق السؤال وحق المحاسبة، ولذلك فإن مطالبتهم بالتصفيق لأي مرحلة لمجرد أنها غيّرت خطابها أو مظهرها ليست سوى استهانة بوعيهم وتجربتهم المريرة، فالشعب الذي عاش سنوات الحرب والانقسام والتهجير لا يحتاج إلى حملات تسويق سياسية، بل إلى حقائق واضحة ومواقف معلنة ومسؤولية سياسية حقيقية...

باختصار:
إذا كانت هناك رغبة صادقة في فتح صفحة جديدة في سورية فإن البداية لا تكون بتغيير الأسماء، بل بالاعتراف الواضح بالماضي، ومصارحة الناس بالحقائق، وتقديم رؤية سياسية قابلة للمحاسبة، كما أن بناء الثقة يتطلب الالتزام بالدولة المدنية، واحترام التعددية، وضمان استقلال القضاء، وإطلاق الحريات العامة، وإخضاع جميع الفاعلين السياسيين للمساءلة القانونية دون استثناء...

أما السوريون، فمن حقهم أن يرحبوا بأي تحول حقيقي يخدم مستقبل بلادهم، ومن حقهم في الوقت نفسه أن يرفضوا الانخداع بالمظاهر أو التسليم بالروايات الجاهزة، فالمواطنة الواعية لا تقوم على التصفيق، بل على النقد والسؤال والمراقبة، وفي النهاية، لا تُقاس مصداقية الأشخاص والجماعات وضمنا المراحل بما يختارونه من أسماء، بل بما يتركونه من أفعال وآثار في حياة شعوبهم.