
مجلس الشعب السوري القادم: بين فرصة بناء الدولة وخطر إعادة إنتاج العجز
في الدول التي تخرج من الحروب والأزمات العميقة لا تُقاس أهمية البرلمانات بعدد أعضائها ولا بجمالية جلساتها الافتتاحية، بل بقدرتها على فرض السياسة على الإدارة، والمساءلة على السلطة، والقانون على المزاج. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى مجلس الشعب السوري الجديد.
السوريون لا ينتظرون مؤسسة جديدة تضاف إلى مؤسسات الدولة، بل ينتظرون مؤسسة تؤدي وظيفة افتقدوها لعقود طويلة. فالمشكلة في سورية لم تكن يوماً نقصاً في القوانين، وإنما ضعف المؤسسات القادرة على مراقبة تنفيذها ومحاسبة من يتجاوزها أو يفرغها من مضمونها.
اليوم تقف البلاد أمام تحديات استثنائية؛ اقتصاد منهك، بنية تحتية مدمرة، ملايين اللاجئين والنازحين، ملفات عدالة معلقة، ومجتمع يحتاج إلى استعادة الثقة بالدولة. لذلك فإن أي مجلس شعب لا يضع هذه الملفات في مقدمة جدول أعماله سيكون بعيداً عن أولويات الناس مهما كثرت خطبه وتصريحاته.
برأيي، لا ينبغي أن تكون المهمة الأولى للمجلس إصدار أكبر عدد ممكن من القوانين، بل مراجعة البيئة القانونية القائمة برمتها. فخلال سنوات طويلة تراكمت تشريعات متناقضة أحياناً ومتهالكة أحياناً أخرى، وبعضها لم يعد قادراً على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة. إن إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء القاعدة القانونية التي تستند إليها.
كما أن الاختبار الحقيقي للمجلس لن يكون في التشريع وحده، بل في الرقابة. فالموازنة العامة ليست أرقاماً جامدة تُعرض للمصادقة الشكلية، بل هي التعبير الأكثر وضوحاً عن أولويات الدولة. أين تذهب الأموال؟ من المستفيد؟ ما حجم الإنفاق الحقيقي على الصحة والتعليم والخدمات؟ وما آليات مراقبة العقود والمشاريع الكبرى؟ هذه الأسئلة يجب أن تتحول إلى ممارسة يومية داخل المؤسسة التشريعية.
ومن الأخطاء التي قد تقع فيها السلطة التشريعية أن تنشغل بالصراعات السياسية والإعلامية على حساب الملفات المعيشية. المواطن الذي يعاني من البطالة أو انقطاع الخدمات أو تراجع الدخل لا يهتم كثيراً بعدد الجلسات المنعقدة، بل يهتم بالنتائج التي تنعكس على حياته. لذلك يجب أن يكون الاقتصاد أولوية مطلقة، ليس عبر الشعارات، وإنما عبر تشريعات تشجع الاستثمار المنتج وتحارب الاحتكار وتضمن المنافسة العادلة وتوفر بيئة مستقرة للأعمال.
وفي الوقت نفسه لا يمكن بناء استقرار طويل الأمد دون معالجة ملف العدالة الانتقالية. فالمجتمعات لا تتجاوز جراحها بقرارات سياسية أو بخطابات المصالحة وحدها، بل عبر كشف الحقائق وترسيخ الحقوق وضمان عدم تكرار الانتهاكات. المطلوب هنا ليس الانتقام ولا تصفية الحسابات، بل تأسيس عدالة قانونية تضمن حق الضحايا وتحفظ استقرار المجتمع.
أما ملف اللاجئين والعائدين فهو ربما أكثر الملفات حساسية وتعقيداً. فعودة السوري إلى وطنه لا تكتمل بمجرد عبوره الحدود، بل تحتاج إلى بيئة قانونية وخدمية واقتصادية تسمح له بإعادة بناء حياته. وكل تأخير في معالجة قضايا الملكية والسكن والخدمات وفرص العمل سيجعل العودة أكثر صعوبة وأقل استدامة.
ما أخشاه أن يتحول المجلس إلى مؤسسة تصادق على ما تنتجه السلطة التنفيذية دون نقاش حقيقي. عندها سنكون أمام نسخة جديدة من نموذج أثبت محدوديته سابقاً. أما ما أتمناه فهو أن يتحول إلى مساحة حقيقية للمحاسبة وإدارة الاختلاف وصناعة السياسات العامة.
إن نجاح مجلس الشعب القادم لن يقاس بعدد القوانين التي يقرها، بل بعدد المشكلات التي يساعد على حلها. ولن يقاس بحجم التأييد الذي يمنحه للحكومة، بل بقدرته على مراقبتها ومساءلتها. ولن يقاس بعدد الكلمات التي تُلقى تحت قبته، بل بمدى انعكاس أعماله على حياة المواطنين.
توصيات للمرحلة التشريعية القادمة
أولاً: إقرار نظام داخلي يضمن الشفافية الكاملة ونشر أعمال اللجان ومحاضر الجلسات بصورة منتظمة.
ثانياً: تحويل الرقابة المالية إلى أولوية وطنية عبر متابعة تنفيذ الموازنة والعقود الحكومية والمشاريع الكبرى.
ثالثاً: إطلاق ورشة مراجعة شاملة للتشريعات الاقتصادية والإدارية بهدف إزالة التناقضات وتبسيط الإجراءات وتشجيع الاستثمار المنتج.
رابعاً: وضع إطار قانوني متكامل للعدالة الانتقالية وملف المفقودين يضمن الحقوق ويمنع التسييس والانتقائية.
خامساً: إصدار تشريعات خاصة بعودة اللاجئين وحماية الملكيات وتسوية النزاعات العقارية وتسهيل إعادة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
سادساً: تعزيز استقلالية المجلس عن أي تأثيرات تنفيذية بما يسمح له بأداء دوره الدستوري الكامل.
في النهاية، لا تحتاج سورية اليوم إلى برلمان يكرر ما تقوله الحكومة، ولا إلى معارضة شكلية تبحث عن الضجيج. ما تحتاجه هو سلطة تشريعية ناضجة تدرك حجم التحديات وتعمل بعقل الدولة لا بعقل اللحظة. فالدول تُبنى بالمؤسسات القادرة على المحاسبة والتخطيط، لا بالمؤسسات التي تكتفي بالمشاهدة والتصفيق.