
الحرب تدخل مرحلة جديدة... المسيّرات تلغي مفهوم "العمق الآمن" بين موسكو وكييف
مع كل جولة جديدة من التصعيد، تتآكل القاعدة التي حكمت الحرب الروسية الأوكرانية منذ بدايتها، وهي وجود "عمق آمن" بعيد عن نيران المواجهة. فالساعات الأخيرة حملت واحدة من أكثر جولات تبادل الضربات كثافة، حيث انتقلت المعركة إلى قلب الأراضي الروسية، بالتزامن مع قصف روسي واسع استهدف مدناً أوكرانية رئيسية، في مشهد يعكس دخول الحرب مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.
فقد شنت أوكرانيا هجوماً واسعاً باستخدام أكثر من ستين طائرة مسيّرة استهدفت العاصمة الروسية موسكو ومحيطها، وتمكنت الدفاعات الجوية الروسية من اعتراض معظمها، إلا أن سقوط الحطام تسبب في خسائر بشرية ومادية، خاصة في بلدة يجوريفسك، كما أدى إلى تعليق مؤقت لحركة الملاحة الجوية في مطاري دوموديدوفو وجوكوفسكي، في مؤشر على أن الهجمات لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل باتت تؤثر أيضاً في الحياة اليومية والبنية المدنية داخل روسيا.
وفي المقابل، ردت موسكو بقصف مكثف طال عدداً من المدن الأوكرانية، بينها دنيبرو وزابوريجيا وخاركيف، مستهدفاً منشآت وبنى تحتية حيوية، ما أسفر عن سقوط عشرة قتلى وعشرات الجرحى، إضافة إلى أضرار واسعة في المنشآت المدنية والخدمية.
لكن أهمية هذه الجولة لا تكمن في حجم الخسائر فحسب، بل فيما تعكسه من تحول استراتيجي في طبيعة الصراع. فاستهداف موسكو للمرة الثانية خلال فترة قصيرة وبموجات متتالية من المسيّرات يؤكد أن كييف باتت تتبنى بصورة أكثر وضوحاً استراتيجية نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، في محاولة لإحداث ضغط نفسي واقتصادي وسياسي على القيادة الروسية، وإثبات أن الجبهة الداخلية الروسية لم تعد بمنأى عن تداعيات الحرب.
في المقابل، تواصل روسيا توظيف تفوقها الصاروخي والجوي لاستهداف البنية التحتية الأوكرانية، في إطار سياسة تستهدف إنهاك القدرات الاقتصادية واللوجستية لكييف وإضعاف قدرتها على مواصلة القتال.
وتشير المؤشرات إلى أن الحرب تتجه تدريجياً نحو مرحلة جديدة عنوانها الاستنزاف التكنولوجي، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة، منخفضة الكلفة وعالية التأثير، السلاح الأكثر حضوراً في الميدان، وهو ما يفرض ضغوطاً متزايدة على منظومات الدفاع الجوي التقليدية، ويفتح الباب أمام سباق متسارع في مجالات الاستخبارات والحرب الإلكترونية وتقنيات الاعتراض.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن هذا التصعيد يبعد أكثر فأكثر فرص الحل السياسي، إذ لا تزال موسكو وكييف تراهنان على تحقيق مكاسب ميدانية تمنحهما أوراقاً أقوى على طاولة المفاوضات مستقبلاً. لذلك، تبدو أي مساعٍ لوقف إطلاق النار أو التوصل إلى تسوية شاملة مؤجلة في ظل قناعة كل طرف بأنه لا يزال قادراً على إيلام خصمه داخل عمقه الاستراتيجي.
ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة اتساعاً في نطاق استهداف البنية التحتية الحيوية، بما يشمل منشآت الطاقة والمطارات ومراكز الإمداد والخدمات اللوجستية، وهو تطور قد يفرض على المجتمع الدولي إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة وسلامة الملاحة الجوية، مع استمرار حرب تتجاوز خطوط الجبهات التقليدية، لتصل إلى عمق الدولتين وتؤكد أن مفهوم "العمق الآمن" أصبح، عملياً، جزءاً من الماضي.