
الإنسان أولاً...
ولا أحد فوق احتمالات القدر.
من أكثر ما يؤسفني أن بعض الناس لم يعودوا يرون المواقف إلا من خلال عدسات الطائفة والسياسة، حتى أصبح الدفاع عن المظلوم عندهم تهمة، والتعاطف مع الضحية انحيازاً لفئة دون أخرى. إنها ثقافة تختزل الإنسان في هويته، وتغفل أن الكرامة الإنسانية لا تعرف مذهباً ولا عِرقاً ولا انتماءً...
أما أنا، فلا أنطلق من حسابات "الأقليات" ولا من منطق المحاصصة، بل من مبدأ بسيط وواضح هو :
أن الإنسان يبقى إنساناً قبل أي وصف آخر، لذلك فإن وقوفي مع الضحية ليس دفاعاً عن طائفة، وإنما دفاع عن حقٍ انتهك، وكرامةٍ أُهدرت، وإنسانٍ يستحق أن يجد من يرفع صوته في وجه الظلم...
لقد أنعم الله عليّ بضمير حي، وبكلمة أراها أمانة ومسؤولية، ولا أستطيع أن أستخدمها إلا في نصرة الحق، أو أن ألوذ بالصمت حين تُستباح كرامة الأبرياء. فالصمت أمام الظلم ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في استمراره...
وفي كل مرة أشاهد فيها مظلوماً، يخطر في بالي سؤال واحد:
- ماذا لو كنت أنا مكانه؟..
- ماذا لو كانت الضحية ابنتي، أو أختي، أو أخي، أو أحد أحبتي؟..
عندها تسقط كل التصنيفات، ولا يبقى إلا الإنسان...
ولعل أهل الشام اختصروا هذه الحقيقة بعبارة بليغة:
"ما حدا حاطط على راسو خيمة"...
فلا أحد يملك ضمانة ضد تقلبات الزمن، ولا أحد بمنأى عن أن يصبح في يوم من الأيام محتاجاً إلى عدالة الناس ورحمة الله. نحن جميعاً نقف تحت السماء نفسها، ونعيش في كنف لطف الله، ولسنا محصنين من الابتلاء...
لهذا سأبقى منحازاً للإنسان قبل أي انتماء، وللحق قبل أي اصطفاف، وللعدالة قبل أي حساب سياسي. فمن أراد أن يصنفني فليفعل، أما أنا فسأظل أؤمن أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطائفته، بل بإنسانيته، وأن الأوطان لا يحفظها إلا العدل، ولا يجمع أبناءها إلا الضمير الحي.