--:--
حين انتقلت الحرب إلى قلب روسيا... هل بدأت مرحلة كسر الإرادات؟
الثقافة والفن

حين تنتصر الهويات الوهمية على الإنسان: مأزق التخندق الثقافي

نُشر في ١٠‏/٧‏/٢٠٢٦، ٢:١٨:٢٧ م

55696.png

حين تنتصر الهويات الوهمية على الإنسان:
 مأزق التخندق الثقافي.

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في كل مرة نواجه فيها حدثاً أو نقرأ خبراً، نجد أنفسنا أسرى لآلية تفكير مسبقة تجعلنا ننظر إلى العالم من خلال ثنائية جامدة: نحن وهم، وكأن الحقيقة لا تُقاس بميزان العقل والضمير، بل بمدى قربها أو بعدها عن انتماءاتنا وهوياتنا الضيقة...

هذا التخندق الثقافي والفكري يحرم الإنسان من قدرته على إصدار حكم عادل أو اتخاذ موقف أخلاقي مستقل؛ إذ يتحول الآخر، قبل أن يُعرف أو تُفهم مواقفه، إلى خصم لمجرد أنه ينتمي إلى دائرة مختلفة. وهنا تضيع القيم الإنسانية الكبرى خلف جدران التعصب، ويصبح الدفاع عن الهوية بديلاً عن البحث عن الحقيقة...

إن المجتمعات التي تبقى أسيرة هذا النمط من التفكير تجد نفسها عاجزة عن تجاوز أزماتها، لأن النهضة لا تُبنى على منطق الإقصاء والغلبة، بل على احترام الإنسان، وتقديس العقل، والقدرة على مراجعة الذات قبل محاكمة الآخرين.

ولعل ما تعانيه بعض المجتمعات العربية، ومنها سورية، من تراجع في مؤشرات التنمية والاستقرار ليس مجرد نتيجة لعوامل اقتصادية أو سياسية عابرة، بل هو انعكاس لتراكمات عميقة في البنية الفكرية والاجتماعية، حيث طغت ثقافات الإخضاع والتخوين وإلغاء الآخر على قيم الحوار والمواطنة...

كل هذا جاء قبل وصول جماعات متطرفة لمواقع صناعة القرارا، حيث رفع مناصروها وكليتهم العظمى من المغيبين والجهلة والحاقدين ولثقافة الغلبة هم عاشقون وعلى خطاب الكراهية ونكىء الجراح يعتمدون من خلال شعارات دينية زائفة أدت وتؤدي لتشويه صورة الإسلام، حين اختزلته في العنف والإكراه، واتخذت من الدين غطاءً لمشاريع السلطة والسيطرة، بينما كانت بعيدة كل البعد عن جوهره القائم على الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان...

إن الخروج من هذا المأزق يبدأ من استعادة الإنسان لمكانته فوق الهويات المغلقة؛ فالأوطان لا تنهض حين ينتصر فريق على آخر، بل حين ينتصر الجميع على الجهل والتعصب والخوف. فالمعيار الحقيقي لرقي المجتمعات ليس ما ترفعه من شعارات، بل ما تمنحه للإنسان من حرية وكرامة وعدالة.