--:--
الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قاعدة الأزرق الأردنية ومركز قيادة أمريكي بعشرة صواريخ باليستية حين انتقلت الحرب إلى قلب روسيا... هل بدأت مرحلة كسر الإرادات؟
الثقافة والفن

حين تأخرتُ عن نفسي.

نُشر في ١٠‏/٧‏/٢٠٢٦، ١:٤٧:٠٧ م

55692.png

حين تأخرتُ عن نفسي:

في الطرف البعيد من الحديقة، حيث تخفت أصوات المدينة ويبدأ المساء برسم ظلاله الهادئة على الأشجار، كان هناك مقعد خشبي قديم، لم يكن مميزاً في شكله، فقد أنهكته السنوات، وتشقق خشبه بفعل المطر والشمس، لكنه كان يحمل سراً لا يعرفه أحد...

كل مساء، كان رجل مسن يجلس عليه في الموعد ذاته. يأتي بهدوء، يجلس مستقيم الظهر رغم ثقل العمر، ثم يكتفي بالنظر. لا كتاب في يده، ولا هاتف يشغله، ولا حديث يقطعه عن صمته. كان يراقب المارة وهم يعبرون الحديقة مسرعين؛ وجوه تحمل أحلاماً كثيرة، وخطوات تطارد مواعيد لا تنتهي...

كان يبدو كأنه لا ينتظر أحداً، لكنه في الحقيقة كان ينتظر شيئاً أعظم من كل العابرين...

لفت أمره انتباه شاب اعتاد المرور من هناك، فغلبه فضوله ذات مساء، واقترب منه وسأله:

— لماذا تأتي إلى هذا المقعد كل يوم؟

رفع العجوز عينيه نحو الشاب، وابتسم ابتسامة هادئة وقال:
— أنتظر.
استغرب الشاب وسأله:
— ومن تنتظر؟

نظر الشيخ إلى الأفق للحظات، ثم قال بصوت يحمل ثقل السنين:

— أنتظر نفسي.
ضحك الشاب ظاناً أن الرجل يمزح، لكن العجوز لم يضحك، ظل صامتاً قليلاً، ثم قال:

— أمضيت عمري كله أركض، ركضت خلف المال، وخلف النجاح، وخفت كثيراً من السقوط حتى نسيت أن ألتفت إلى الطريق، كنت أظن أنني أقترب من الحياة، لكنني كنت في الحقيقة أبتعد عن نفسي...

توقف قليلاً، وكأن ذاكرته فتحت أمامه أبواباً قديمة، ثم تابع:

— في زحمة الأيام، تركت جزءاً مني خلفي، تركت ذلك الإنسان الذي كان يعرف كيف يفرح بالأشياء الصغيرة، وكيف يجلس بلا هدف، وكيف ينظر إلى السماء دون أن يحسب كم من الوقت ضاع. كنت دائماً أسبق نفسي بخطوة، حتى فقدتها تماماً...

ساد الصمت بينهما.
ثم قال العجوز:
— وعندما كبرت وتوقفت عن الركض، اكتشفت أن أصعب رحلة ليست الوصول إلى ما نريد، بل العودة إلى ما فقدناه في الطريق، لذلك أجلس هنا كل مساء، أنتظر أن تلحق بي نفسي التي تركتها منذ سنوات طويلة...

بقي الشاب واقفاً أمامه عاجزاً عن الكلام، لم يجد نصيحة يقولها، ولا سؤالاً يطرحه، شعر أن الرجل لم يكن يتحدث عن نفسه فقط، بل كان يروي قصة كل إنسان أضاع عمره في سباق لا يعرف نهايته...

عاد العجوز إلى صمته، وأخذ يراقب الشمس وهي تغيب ببطء خلف الأشجار. كان وجهه هادئاً، كأن الانتظار لم يعد عبئاً عليه، بل أصبح موعداً مقدساً مع ذاته...

وفي تلك اللحظة أدرك الشاب حقيقة لم تخطر له من قبل:
أن أخطر أنواع الضياع ليس أن يفقد الإنسان طريقه، بل أن يظل يسير فيه طويلاً حتى ينسى من كان يسير به...

( فكم من إنسان أمضى عمره يبحث عن الحياة، ثم اكتشف متأخراً أنه لم يعشها يوماً )...

مقتبس من رواية لـ ( تشيخوف ).