
برحيل الرفيق حنين نمر...
يطوى فصلٌ من ذاكرة السياسة السورية.
يرحل الرجال، لكنهم يتركون خلفهم ما هو أبقى من الأسماء والصور؛ يتركون سيرةً، ومواقف، وتجربةً تصبح جزءًا من ذاكرة الوطن، مهما اختلفت القراءات وتباينت الأحكام...
يوم امس، غاب عن دنيانا الرفيق حنين نمر، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوري، ليغادر أحد أبناء جيلٍ حمل همّ السياسة في زمن كانت فيه الأحزاب مدارس للفكر، ومنابر للنقاش، وساحات للنضال، قبل أن تعصف بالبلاد تحولات عميقة غيّرت وجه الحياة السياسية السورية...
كان حنين نمر أحد الوجوه البارزة في الحركة الشيوعية السورية، وحمل مسؤولياته الحزبية في مراحل دقيقة، مؤمنًا بما تبنّاه من أفكار، ومدافعًا عنها بإخلاص وثبات، وقد يختلف الناس في تقييم التجارب والخيارات، لكنهم لا يختلفون في أن الرجل كرّس عمره للعمل العام، وظل وفيًا لقناعاته حتى آخر أيامه...
إن رحيل هذه القامات ليس مجرد خبر عابر في شريط الأخبار، بل هو تذكير بأن جيلاً كاملاً من السياسيين السوريين يغادر تباعًا، حاملاً معه ذاكرة غنية بالتجارب والانتصارات والإخفاقات، وبالدروس التي ينبغي أن تُقرأ بعين الباحث عن الحقيقة، لا بعين الخصومة أو الانحياز.
وفي لحظة الوداع، تسمو الأخلاق على الخلاف، ويعلو احترام الإنسان على تباين المواقف. فالموت يساوي بين الجميع، ولا يبقى إلا ما قدمه المرء لوطنه، وما تركه من أثر في ضمير الناس وذاكرة التاريخ...
رحم الله الرفيق حنين نمر، وأحسن مثواه، وألهم أسرته ورفاقه ومحبيه جميل الصبر والسلوان...
ويبقى الوطن، رغم كل ما مرّ به، بحاجة إلى أن يحفظ ذاكرته، وأن ينصف رجاله، وأن يقرأ تاريخه بموضوعية، لأن الأمم التي تنسى رجالها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها وصناعة مستقبلها...
إنا لله وإنا إليه راجعون.