
ميثاق الروح.. وراء كبرياء الصمت.
في تلك الليلة، حين بلغت الخلافات ذروتها وشعرتُ بأن كرامتي توشك أن تُخدش، اتخذتُ القرار الأصعب: حزمتُ حقائب مشاعري ورحلتُ جسداً، تاركاً خلفي كل شيء. غير أنني اكتشفتُ سريعاً أن الابتعاد عن جسدها لا يعني النجاة من طيفها؛ فكل فكرة في رأسي كانت تطير عائدةً إليها، وكل نبضة في صدري كانت تئنّ شوقاً لمحيّاها.
كنتُ أعيش حالة غريبة من الفصام العاطفي: عقلٌ يرفض الهزيمة، وقلبٌ يتمزق كمداً. لم أشأ أن أمنحها لذة رؤية انكساري، ولم أرد أن أثقل عليها بعتابٍ قد يراه كبرياؤها ضعفاً. لذا، آثرتُ الصمت المطبق. انزوَيتُ بعيداً، أضمّ جراحي بيديّ كما يطوي الطائر الجريح جناحيه علّ الدماء تتوقف. أصبحتُ أنا الشاكي والمشتكى إليه؛ أجلس في عتمة غرفتي، أقصّ على روحي مرارة أفعالها، وأعود لأصالح روحي على حبها مجدداً. كان الليل طويلاً وثقيلاً، يعزف بلحن أنينه ومواويله على أوتار حرماني ووحدتي، فمن يواسي غريباً جافاه أليفه ونديم عمره؟
ودارت الأيام دورتها، ولم يرحمها الزمان كما لم يرحمني. فالدهر الذي غدر بي يوماً وأجبرني على الرحيل، دارت عجلته لترمى السهام في صدرها هي الأخرى. وحين علمتُ بما ألمّ بها من وجع، انصهرت كل جبال الكبرياء والخصام في لحظة واحدة.
لم أستطع أن أشمت، ولم أقو غريزياً على البقاء في دور المتفرج. فقلبٌ أحبّها بكل هذا الصدق، لا يملك إلا أن يتناسى آلامه ليضمد آلامها. تلاشت قسوتي المصطنعة، وتحول غضبي العارم إلى فيضان من العطف والحنان، وأسرعتُ إليها لأكون أنا الملاذ والحصن، مدركاً أنني مهما ابتعدتُ أو تألمتُ، سأبقى ذاك العاشق الذي أفناه الوجد، ولا يرى في الكون أنثى سواها.
أرجو انتاج صورة تحاكي مضمون القصة اعلاه