على حافة الهاوية: لماذا تعيد واشنطن حشد قواتها في الشرق الأوسط

Salah Kirata • ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦

59321.png


على حافة الهاوية: 
لماذا تعيد واشنطن حشد قواتها في الشرق الأوسط؟.

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

تتوالى الأخبار عن إرسال وحدات عسكرية أمريكية إضافية إلى الشرق الأوسط، وتتزايد حركة حاملات الطائرات والمدمرات والقاذفات الاستراتيجية في البحار المحيطة بالمنطقة، حتى بات المشهد يوحي بأن الولايات المتحدة تعيد بناء مظلتها العسكرية في الإقليم بصورة غير مسبوقة منذ سنوات...

لكن السؤال الحقيقي ليس: 
- كم أرسلت واشنطن من قوات؟..
 بل: 
- ما الذي تريد تحقيقه من وراء هذا الحشد؟..

الجواب لا يكمن في الاستعداد لحرب شاملة بقدر ما يكمن في إعادة صياغة ميزان الردع الذي تعرض خلال الفترة الماضية والتي لازلنا نعيشها لاختبارات متكررة، سواء عبر الهجمات على القواعد الأمريكية، أو استهداف الملاحة الدولية، أو تنامي قدرات ايران ووكلائها، وكذا سوى ايران روسيا والصين وكوريا الشمالية...

فالولايات المتحدة تدرك أن تراجع هيبة الردع قد يشجع خصومها على فرض وقائع جديدة، ولذلك تحاول استعادة زمام المبادرة من خلال إظهار استعداد عسكري كبير، يجعل تكلفة أي تصعيد أعلى بكثير من مكاسبه...

غير أن هذا الحشد لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُّخذ، فالخبرة الأمريكية، بعد العراق وأفغانستان، تجعل صانع القرار أكثر حذراً من الانخراط في حرب برية طويلة ومكلفة، كما أن الأولوية الاستراتيجية لواشنطن لا تزال تتمثل في منافسة الصين واحتواء روسيا، وهو ما يجعل أي حرب واسعة في الشرق الأوسط عبئاً يشتت مواردها العسكرية والسياسية...

لذلك يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في آن واحد منها:

- تعزيز الردع ومنع أي طرف من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة فقدت إرادة استخدام القوة...
- حماية الممرات البحرية التي تمثل شرياناً أساسياً للتجارة والطاقة العالمية...
- طمأنة الحلفاء الإقليميين بأن المظلة الأمنية الأمريكية ما زالت قائمة...
- توفير قوة جاهزة للتدخل السريع إذا خرجت الأحداث عن السيطرة...
- امتلاك أوراق ضغط قوية على طاولة أي مفاوضات سياسية أو أمنية مقبلة...

ومن هنا، فإن الخيار الأمريكي الأقرب ليس الحرب المفتوحة، بل إدارة الأزمة بالقوة؛ أي استخدام الحشد العسكري لاحتواء التصعيد، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية إذا التزم الخصوم بخطوط حمراء معينة...

ومع ذلك، يبقى الشرق الأوسط منطقة يصعب فيها التحكم الكامل بمسار الأحداث، فكثرة اللاعبين، وتداخل المصالح، ووجود فاعلين غير دولتيين، تجعل احتمال الخطأ في الحسابات قائماً دائماً، وقد تكفي ضربة غير محسوبة أو حادثة ميدانية لتدفع الجميع إلى دوامة تصعيد لا يرغب بها أحد...

لهذا فأنا اجنح إلى حدوث احد السيناريوهات التالية:

أولاً: 
نجاح الردع واستمرار الاحتواء
يبقى هذا السيناريو وارداً إذا اقتنع جميع الأطراف بأن كلفة المواجهة المباشرة ستكون باهظة، فتستمر الاشتباكات المحدودة مع تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية...

ثانياً: 
حرب استنزاف طويلة وهو السيناريو الأكثر احتمالاً، حيث تستمر الضربات المحدودة والهجمات غير المباشرة على القواعد والممرات البحرية، مقابل ردود أمريكية محسوبة، دون الوصول إلى مواجهة شاملة...

ثالثاً: 
الانفجار الكبير وهو أقل احتمالاً، لكنه الأكثر خطورة، فقد يؤدي خطأ في التقدير، أو استهداف يوقع خسائر كبيرة، إلى سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها، فتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع...

الخلاصة:
إن الحشد العسكري الأمريكي لا يعكس رغبة في الحرب بقدر ما يعكس استعداداً لها إذا فُرضت، ومحاولةً لمنعها عبر استعراض قوة محسوب. فالولايات المتحدة تريد أن تبقى صاحبة الكلمة العليا في أمن الشرق الأوسط، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تستنزف في حرب طويلة تعيد إلى الأذهان تجارب العقود الماضية...

ويبقى السؤال الأهم: 
- هل ينجح الردع في منع الحرب، أم أن كثافة السلاح في منطقة تعج بالأزمات ستجعل من حادث صغير شرارةً تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالنار؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع والأشهر المقبلة، فالتاريخ يعلمنا أن الجيوش لا تتحرك عبثًا، لكنها أيضًا لا تحقق دائمًا الأهداف التي تحشد من أجلها، ففي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ الخطط في غرف العمليات، لكنها تنتهي على وقع مفاجآت الميدان، حيث تتبدل الحسابات، وتعيد الوقائع رسم خرائط السياسة، وكذا ففي الشرق الأوسط، لا تكمن خطورة الحشود العسكرية في حجمها، بل في أن قرار الحرب قد لا يصنعه الأقوياء وحدهم، وإنما قد تشعله شرارة صغيرة يخطئ الجميع في تقديرها، وحينها، يصبح التاريخ هو من يكتب قرارات الساسة، لا العكس.