ثالوث السقوط: ثلاثة رجال لم يخونوا السوريين فحسب... بل عجلوا بانهيار النظام الذي خدموه

Salah Kirata • ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦

59399.png


ثالوث السقوط:
ثلاثة رجال لم يخونوا السوريين فحسب...
بل عجلوا بانهيار النظام الذي خدموه.

لا يحتاج سقوط الدول دائمًا إلى جيوش غازية، فقد يكفي أن تتسلق إلى قمة مؤسساتها شخصيات تؤمن بأن الوطن مزرعة، والقانون ورقة بالية، والشعب مجرد وقود لبقاء السلطة...

وفي التجربة السورية، يصعب العثور على ثلاثة أسماء اختزلت هذا المشهد أكثر من جميل الحسن، وسهيل الحسن، ووسيم الأسد، ثلاثة اختلفت مواقعهم، لكنهم التقوا عند نقطة واحدة وهي: تحويل الدولة إلى غنيمة، والمؤسسات إلى أدوات بطش، والسلطة إلى مشروع شخصي لا علاقة له بسورية ولا بمستقبلها...

كان جميل الحسن الوجه الأكثر صراحة في ثقافة الإبادة، فقد ارتبط اسمه، في تقارير حقوقية وملفات قضائية دولية، بانتهاكات واسعة شملت الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، كما نُسبت إليه تصريحات صادمة أوحت بأن حياة ملايين السوريين لا تساوي شيئًا إذا تعارضت مع بقاء السلطة، اء لم يعد جهاز المخابرات الجوية، في نظر كثير من السوريين، مؤسسة لحماية الأمن الوطني، بل صار رمزًا للرعب، وسوقًا للابتزاز، وبابًا للإثراء على حساب آلام المعتقلين وذويهم...

أما سهيل الحسن، الذي رُسمت حوله هالة "النمر"، فقد كان، في نظر مؤيديه، قائدًا عسكريًا، لكنه في نظر قطاع واسع من السوريين أصبح عنوانًا لعسكرة الدولة وتآكل المؤسسة العسكرية، فقد ارتبطت عملياته بسياسات التدمير واسع النطاق، بينما أحاطت به تشكيلات مسلحة وُجهت إليها اتهامات بالنهب وفرض الإتاوات واستغلال النفوذ، والأسوأ من ذلك أن صورة الضابط السوري المستقل تراجعت أمام مشاهد الارتباط الوثيق بالدعم والقرار الروسي، بما عكس حجم التآكل الذي أصاب السيادة العسكرية السورية خلال سنوات الحرب...

ثم يأتي وسيم الأسد، الذي لم يحتج إلى رتبة عسكرية ولا إلى منصب رسمي، فقد كان اسم العائلة والنفوذ المتراكم يكفيه، ليقدم الصورة الأكثر استفزازًا لاقتصاد الحرب، ففي الوقت الذي كان ملايين السوريين يقفون في طوابير الخبز والوقود، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور الاستعراض الفاخر للسيارات والثروات وأنماط الحياة الباذخة، كما ارتبط اسمه، في تقارير وعقوبات دولية، بادعاءات تتعلق بشبكات تهريب، بينها تجارة الكبتاغون، وبنشاطات مرتبطة باقتصاد الحرب والجريمة المنظمة، الأمر الذي جعله، في نظر كثيرين، رمزًا لانهيار القيم قبل انهيار الاقتصاد...

المأساة أن هؤلاء لم يكونوا مجرد أدوات في نظام مأزوم، بل تحولوا إلى أحد أهم أسباب تسريع انهياره، فحين يصبح الضابط رجل أعمال، ورجل الأمن تاجر خوف، وصاحب النفوذ وسيطًا لاقتصاد الظل، فإن الدولة تكون قد بدأت بالفعل رحلة التفكك، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة شكليًا...

لقد ظن هذا الثلاثي أن البطش يصنع الهيبة، وأن المال يشتري الشرعية، وأن السلاح يكفي لضمان البقاء، لكن التاريخ أثبت أن الدول لا يحميها الرعب، ولا يحفظها الفساد، ولا ينقذها المتنفذون الذين يخلطون بين الوطن ومصالحهم الشخصية...

إن أخطر ما ارتكبه جميل الحسن، وسهيل الحسن، ووسيم الأسد، لم يكن فقط ما نُسب إليهم من انتهاكات أو فساد أو استغلال نفوذ، بل أنهم ساهموا في تحطيم فكرة الدولة ذاتها، فقد جعلوا كثيرًا من السوريين يرون المؤسسة الأمنية مرادفًا للخوف، والمؤسسة العسكرية مرادفًا للخراب، والنفوذ العائلي مرادفًا للنهب والإفلات من العقاب...

وحين يصل شعب إلى هذه القناعة، لا تكون الدولة قد خسرت معركة سياسية فحسب، بل تكون قد خسرت ثقة مواطنيها، وهي الخسارة التي لا تعوضها الدبابات، ولا أجهزة المخابرات، ولا حملات الدعاية...

ولعل التاريخ، عندما يكتب الفصل الأخير من تلك الحقبة، لن يتوقف طويلًا عند عدد الرتب العسكرية أو حجم الثروات التي جمعها أصحابها، بل سيتوقف أمام حقيقة أكثر مرارة وهي:
أن ثلاثة رجال، كلٌ بطريقته، لم يكونوا حماة للدولة، بل كانوا من أبرز الذين عجّلوا بانهيارها، وخانوا سورية وهم يزعمون أنهم يدافعون عنها.
لم يسقط النظام لأنه كان قويًا ثم هُزم، بل لأنه تعفّن من داخله، وحين تصبح أجهزة الدولة أدوات للبطش، والجيش وسيلة للنفوذ، والقرابة العائلية جسرًا للثراء غير المشروع، فإن السقوط لا يعود احتمالًا، بل يصبح نهاية مؤجلة.
نعم :
لم يكن جميل الحسن وسهيل الحسن ووسيم الأسد حماة للنظام، بل كانوا من أكبر معاول هدمه؛ إذ لا يوجد نظام يستطيع البقاء طويلًا حين يتحول حراسه إلى أمراء حرب، وأجهزته إلى أدوات ابتزاز، ونفوذه إلى تجارة موت وثروة.