
جمهورية "أحمدنا":
عندما يتحول الوطن إلى مضافة... والرئيس إلى ملكية خاصة.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
كان السوريون يظنون أن الثورة على عبادة الفرد ستنهي زمناً طويلاً من صناعة الأصنام السياسية، فإذا ببعضهم يفتتح، بحماس منقطع النظير، مصنعاً جديداً للأصنام، مع اختلاف الاسم فقط، فالتمثال تبدّل، أما العقلية فبقيت هي ذاتها، وربما أصبحت أكثر شراسة لأنها ترتدي ثوب الثورة وهي تمارس سلوك الاستبداد...
هناك جماعة لا تحتاج إلى اسم رسمي؛ يكفي أن نسميها "جماعة أحمدنا"، هؤلاء لا يقولون رئيس الجمهورية، ولا رئيس المرحلة الانتقالية، ولا رئيس الدولة السورية، بل يقولون، بوعي أو بغير وعي:
"أحمدنا" وكأن الرجل أصبح وقفاً خاصاً عليهم، وكأن بقية السوريين مجرد مستأجرين في وطنهم، لا يحق لهم السؤال ولا الاعتراض...
وما إن يظهر خبر عن جريمة قتل خارج القانون، أو عملية اختطاف، أو تجاوز أمني، حتى تنطلق صفارات الإنذار داخل هذه الحثالة الإلكترونية، لا ليسألوا:
- هل الخبر صحيح؟..
وتراهم لا يطالبون بتحقيق أو محاسبة، بل يقفزون مباشرة إلى المهمة المقدسة والتي تتجلى بـ ( قتل الخبر دون البحث عن الحقيقة)...
ولو أن الشمس أشرقت من الغرب، لقالوا إنها مؤامرة إعلامية تستهدف الحكومة الانتقالية...
ولو تحدث الضحية بنفسه، لاتهموه بالعمالة...
ولو اعترف الجاني، لقالوا إن الاعتراف انتُزع تحت الضغط...
فالقاعدة لديهم بسيطة للغاية:
( ما يمدح السلطة حقيقة مطلقة، وما ينتقدها مؤامرة كونية)...
العجيب أن هؤلاء يهاجمون عبادة الفرد في الأمس، ثم يمارسونها اليوم بحماس يفوق حماس من سبقهم، يلعنون التقديس عندما يكون لغيرهم، ويعتبرونه فضيلة عندما يتعلق بـ"أحمدهم"، إنها ليست معركة مبادئ، بل معركة أسماء...
ولو عاد الجولاني باسمه القديم، وارتدى الثوب نفسه، ومارس السياسة نفسها، لوجد من بينهم من يصفق له أيضاً، لأن القضية ليست بناء دولة، بل البحث الدائم عن "القائد الملهم" الذي يعفيهم من التفكير، ويكلفهم فقط بالتصفيق...
أما الضحايا... فلهم حكاية أخرى، فالقتيل الذي يسقط خارج القانون يتحول، في قاموسهم، إلى متهم حتى تثبت براءته...
والمختطف يصبح مختفياً بإرادته...
والمرأة التي تقع ضحية جريمة تُجرَّد من كرامتها مرة ثانية، عبر سيل من الشتائم والاتهامات والتشهير، وكأن الجريمة الحقيقية ليست خطفها، بل أنها كشفت عورة الخطاب الذي يدّعي الفضيلة وهو يمارس أبشع أشكال القسوة...
إنها أخلاق الغلبة؛ تلك الثقافة التي لا ترى في العدالة قيمة، بل عقبة، ولا ترى في القانون مرجعاً، بل أداة تستخدمها عندما تخدمها وتتجاهلها عندما تدينها...
المشكلة أن هؤلاء يظنون أنهم يدافعون عن الدولة، بينما هم في الحقيقة يهدمونها حجراً فوق حجر. فالدولة لا تُحمى بالإنكار، بل بالمحاسبة، ولا تستقر بالتبرير، بل بالعدالة...
أما تحويل كل ناقد إلى خائن، وكل صحفي إلى عميل، وكل ضحية إلى متهم، فليس سوى الطريق المختصر لإعادة إنتاج الاستبداد الذي خرج السوريون أصلاً للتخلص منه...
إن الوطن ليس ملكية خاصة، والرئيس ليس زعيماً لقبيلة، والحكومة ليست فريقاً لكرة القدم ندافع عنه سواء فاز أم خسر...
الدول تُبنى حين يصبح المسؤول موظفاً عاماً، لا نبياً معصوماً، وحين يكون احترام الحقيقة أعلى من احترام الأشخاص، وأخشى ما أخشاه أن نستيقظ بعد سنوات لنكتشف أننا لم نهدم صنم الأمس، بل استبدلناه بصنم جديد، مع تغيير الاسم فقط... وأننا، بكل أسف، انتقلنا من "القائد الخالد" إلى "أحمدنا"... والخالد الجديد.