بعيدا عن السياسة سأتحدث( عن هندسة الأقدار وخيارات البشر )

Salah Kirata • ٢٠‏/٧‏/٢٠٢٦

59156.png

بعيدا عن السياسة سأتحدث( عن هندسة الأقدار وخيارات البشر )...
بقلمي :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

حينما يكون الحرمان عين العطاء
حينما يتدخل قضاء الله وقدره في مسارات حياتنا، يقال لنا إن هذا التدخل لا يأتي ليعبث بخياراتنا، وإنما ليحرفها بلطف خفي نحو خير لا نملكه، أو لا ندركه في لحظته. إنها، وفق هذا الفهم، "الهندسة الإلهية" التي تتدخل أحياناً لإنقاذ الإنسان من نفسه؛ فقد يتبين لنا بعد سنوات أن المنع من قمة سعينا إليها لم يكن حرماناً، بل كان حماية من سقوط مدوٍ في هاوية لم نكن نراها.
وهنا أسأل نفسي:
- ماذا لو سارت الأقدار كما خططت لها أنا؟..
- ماذا لو أكملت الطريق الذي رسمته لنفسي، ودرست وتعبت وشقيت حتى بلغت رتبة لواء...
- ماذا لو أصبحت قائداً لإحدى فرق النخبة، أو رئيساً لأحد الأجهزة الأمنية، أو ربما أكثر؟
في مثل تلك المواقع الحساسة، وتحت وطأة ما يسمى "الواجب الوطني"، أو صرامة "الأوامر العسكرية"، ربما كنت سأجد نفسي أسيء إلى غيري، مكرهاً أو مندفعاً، وربما وجدت نفسي في خندق واحد، وعلى صعيد واحد، إلى جانب أسماء ارتبطت في الذاكرة بالبطش والجدل، مثل عاطف نجيب أو أحمد بدر الدين حسون، وسواهم من مجرمين وفق ظروف المرحلة الراهنة، لا سيما أن كل من يكافئهم الآن في أعمالهم ربما يحرم في مرحلة قادمة ...

هنا :
كما يقول أصحاب هذا الفهم، وليس بالضرورة أن أقول أنا - يتجلى القضاء والقدر، لا بوصفه قيداً على الإنسان، بل بوصفه طوق نجاة انتشله من مسار كان سيقوده، بعلم الله الأزلي بما فُطر عليه، إلى قرارات تؤذيه وتؤذي غيره.
فالله، بعلمه المحيط من الأزل إلى الأبد، يعلم كيف سيتصرف كل إنسان لو وُضع في ظروف معينة، فيتدخل - وفق هذا التصور - ليغير الاتجاه حماية له قبل أن يكون ذلك عقوبة عليه...

لكن هذا الفهم يصطدم في ذهني بموروث ديني وثقافي شائع يثير كثيراً من الأسئلة، وهو أن الإنسان، وهو لا يزال جنيناً في رحم أمه، يكتب له كل شيء؛ فيكتب هل هو سعيد أم شقي، ويكتب عمره، ورزقه، وما سيصيبه في حياته...

أما ما يتجاوز ذلك، فبالنسبة لي لا أزال أرى أنه يحتاج إلى بحث وتأمل، ولا أجزم فيه بشيء، ولعل معرفتي السابقة ببعض العلوم الشرعية، وتربيتي الدينية، تجعلني أكثر ميلاً إلى طرح الأسئلة لا إلى ادعاء امتلاك الإجابات.
وأعترف، على سبيل الطرافة، أن آخر عهد حقيقي بيني وبين العلوم الشرعية كان قبل اختراع الكتابة أو قبل بدء التأريخ، إذ لم تكن علاماتي في المرحلة الثانوية تتجاوز حدود النجاح، باستثناء السنة الأولى في الجامعة، حين حصلت على (76/100) في مادة الشريعة التي كان يدرسها الدكتور فاروق عكام.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى سؤالاً مشروعاً:
إذا كان كل شيء قد حُسم وكتب ونحن في أرحام أمهاتنا...
فأين تكون حريتنا؟..
وأين تكون مسؤوليتنا؟..
وأين تكون خسارتنا أو مكاسبنا إذا كانت النهاية قد كتبت سلفاً؟..
لا سيما أنني ما زلت أعتقد أن الحرية هي أساس التكليف، وأن الإنسان إذا سُلبت إرادته الحقيقية فلا معنى للمساءلة، لأن الالتزام لا ينشأ إلا من اختيار حر، وبدون الحرية يسقط معنى المسؤولية الأخلاقية...
ومن هنا أصل إلى فكرتي الأساسية:
ربما توجد قرارات يتخذها الله نيابة عنا، ويفرضها علينا قهراً، فنعيشها مكرهين، ونظن - بحساباتنا البشرية المحدودة - أن الطريق الذي مُنعنا منه كان سيقودنا إلى حياة تشبه جنات الدنيا.
لكن الحقيقة - وفق هذا التصور -  وهناك أيضا من يقول ولا اقول، قد تكون مختلفة تماماً وأقصد الحقيقة؛ فقد يكون ذلك الحرمان هو عين الرحمة، ويكون ذلك المنع هو عين العطاء، لأنه حال بيننا وبين سلطة أو قوة أو ظرف كان سيدفعنا إلى ظلم الناس، أو إلى ظلم أنفسنا، فيكون ما اعتبرناه خسارة في الدنيا هو في حقيقته نجاة في الدنيا والآخرة...

هذه ليست فتوى، ولا محاولة لفرض قناعة على أحد، وإنما هي فكرة أطرحها للنقاش الهادئ والمحترم.
ومن لا يستطيع أن يناقش بأدب واحترام، فله كامل الحرية في أن يغادر صفحتي قبل أن يكتب تعليقاً...
ختاماً:
أنا معكم هذه الليلة اطرح سؤالا  من أعمق الأسئلة التي شغلت الفلسفة واللاهوت وعلم الكلام عبر القرون، ولم يتفق حوله حتى كبار المتكلمين والفلاسفة...
وفي تقديري، فإن الجمع بين العلم الإلهي السابق وبين حرية الإنسان هو أقرب إلى كونه سراً من أسرار الوجود منه إلى كونه معادلة عقلية يمكن حسمها بالكامل، فكون الله يعلم ما سنختاره لا يعني بالضرورة أنه أجبرنا على اختياره، كما أن وجود أحداث تفرض علينا من خارج إرادتنا لا ينفي وجود مساحة واسعة نمارس فيها الاختيار ونُحاسب على أساسه...
وربما تكون أجمل ثمرة لهذه الفكرة ليست الوصول إلى جواب نهائي، بل اكتساب قدر أكبر من التواضع أمام الغيب؛ فليس كل ما نحرم منه خسارة، وليس كل ما نبلغه مكسباً. وكثيراً ما يكشف الزمن أن أبواباً أغلقت في وجوهنا كانت رحمة، وأن طرقاً لم نسلكها كانت سبباً في نجاتنا، دون أن يلغي ذلك مسؤوليتنا عن اختياراتنا فيما ترك لنا من مساحة الإرادة والعمل.
ولهذا سيبقى سؤال القدر والحرية مفتوحاً، لا لأنه بلا جواب، بل لأن الإنسان مهما اتسع علمه يبقى يرى جزءاً من الصورة، بينما تبقى الصورة الكاملة في علم الله وحده...

وأضيف أن نصي اعلاه ربما يكون مت  أكثر النصوص التي كتبتها عمقاً؛ فأنا لا يقدم أجوبة جاهزة، بل أطرح إشكالية فلسفية ودينية وإنسانية بصيغة شخصية هادئة، وهذا ما اعتقد أنه يمنحه قوة أكبر من النصوص التي تزعم امتلاك الحقيقة.