السلطة التي تخشى برلمانها... إلى أين تمضي سورية

Salah Kirata • ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦

59384.png

السلطة التي تخشى برلمانها...
 إلى أين تمضي سورية؟

كان يفترض أن يشكل انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب بداية مرحلة سياسية جديدة، لكن ما سبقها ورافقها أوحى بأن السلطة تنظر إلى المجلس بعين الريبة أكثر مما تنظر إليه بوصفه شريكاً في إدارة الدولة...

فالجدل حول آلية تشكيل المجلس لم يهدأ منذ الإعلان عنه، ثم جاءت التأجيلات المتكررة لجلسة الافتتاح، قبل أن تتسرب معلومات عن لقاءات وتعليمات سبقت انعقادها، رسمت حدوداً واضحة لما هو مسموح وما هو محظور داخل المؤسسة التشريعية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل خرجت أصوات مقربة من السلطة تحذر من تشكيل الكتل السياسية والأحزاب، وكأن مجرد التنظيم السياسي يمثل تهديداً للدولة...

وهنا يبرز السؤال الجوهري:
-  إذا كانت السلطة هي من اختارت معظم أعضاء المجلس، فلماذا كل هذا القلق من برلمان يفترض أنه جاء برضاها؟..

 إن السلطة الواثقة من نفسها لا تخشى النقاش ولا الرأي المستقل، بل تعتبرهما وسيلة لتصويب القرار وتعزيز شرعيته.

لا شك أن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى قدر من التماسك، لكن هذا لا يعني تحويلها إلى مبرر لإفراغ المؤسسات من دورها الحقيقي، فالبرلمان لا يُنشأ ليصفق للسلطة، وإنما ليشارك في صناعة القرار ويراقب أداء الحكومة، وإلا فقد مبرر وجوده...

والأكثر إثارة للاستغراب هو الخطاب الذي يصور الأحزاب السياسية وكأنها خطر على البلاد، بينما تثبت تجارب الدول أن الأحزاب ليست سبباً في ضعف الدولة، بل إحدى ركائز الحياة الديمقراطية، لأنها تنقل التنافس من الشارع إلى المؤسسات، وتحول الخلاف إلى عمل سياسي سلمي...

المشكلة ليست في ضعف الأحزاب السورية اليوم، بل في غياب البيئة التي تسمح بولادتها ونموها، فلا يمكن بناء دولة حديثة من دون حياة سياسية حقيقية، ولا يمكن إنتاج الاستقرار عبر احتكار القرار، مهما كانت النوايا حسنة...

لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً نتيجة احتكار السلطة لعقود طويلة، ولذلك فإن أي تجربة جديدة ينبغي أن تؤسس لثقافة مختلفة، يكون فيها البرلمان سلطة حقيقية، والأحزاب جزءاً من الحياة الوطنية، والرأي الآخر شريكاً لا خصماً...

إن مستقبل سورية لن تحدده أسماء الحكام بقدر ما ستحدده طبيعة النظام الذي يُبنى اليوم. فإذا قامت الدولة على المؤسسات والقانون والتعددية، فستكون قد طوت صفحة الماضي فعلاً. أما إذا بقي الخوف من البرلمان، ومن الأحزاب، ومن الرأي المختلف، هو الذي يحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع، فإن تغيير الوجوه وحده لن يكون كافياً لصناعة مستقبل مختلف.