العدالة الانتقالية أمام أخطر اختبار... فاحذروا أن تقتلوا العدالة باسم القانون

Salah Kirata • ٢٥‏/٧‏/٢٠٢٦

61018.png

العدالة الانتقالية أمام أخطر اختبار... فاحذروا أن تقتلوا العدالة باسم القانون

ليست محاكمة وسيم الأسد محاكمة لشخصٍ بعينه، بل هي محاكمة لهيبة الدولة السورية الجديدة، ولمصداقية العدالة الانتقالية التي وُعد بها السوريون، وللقدرة على طي صفحة الاستبداد دون طمس حقوق الضحايا.

وسيم الأسد ليس اسماً عادياً في ذاكرة السوريين، بل رمزٌ ارتبط في أذهانهم بسنوات من الخطف والابتزاز والترويع والقتل، حتى بات اسمه مرادفاً للخوف والإفلات من العقاب. وحين أُلقي القبض عليه – بعد استدراجه في عملية أمنية محكمة أثناء عودته لاستخراج ما أخفاه من كنوز وأموال مدفونة – ظن السوريون أن ساعة الحساب قد دقّت، وأن زمن الحصانات قد انتهى.

ولذلك، فإن كثيرين يرون أن محكمة الجنايات الرابعة لم تكن الإطار القضائي الذي يتناسب مع حجم الجرائم المنسوبة إليه، وأن مكانه الطبيعي كان أمام محكمة مختصة بالجرائم الإرهابية أو محكمة عسكرية استثنائية، ليكون الحكم بحجم الجريمة، وليكون عبرة لكل من استباح دم السوريين وأموالهم وكرامتهم.

وإذا كانت النيابة العامة قد بنت مرافعتها على أدلة وشهادات ووثائق، فإن أقل الجرائم المنسوبة إليه – بحسب ما عُرض أمام المحكمة – تكفي لإيقاع أقصى العقوبات التي يجيزها القانون. ولهذا ينتظر السوريون، بكل أطيافهم، أن يكون الحكم المنتظر رسالةً واضحة بأن الدولة الجديدة لا تعرف المساومة في حقوق الضحايا.

إن العدالة الانتقالية اليوم ليست شعاراً سياسياً، بل امتحان وجود. فإما أن تثبت الدولة أنها دولة قانون، وإما أن تسقط في أول اختبار، فتمنح الناس الانطباع بأن النفوذ والصفقات ما زالت أقوى من العدالة.

ولا يخالجني شك في أن القاضي سيصدر حكمه وفق القانون وقناعته القضائية.

غير أن ما يبعث على القلق هو ما يتردد من تسريبات غير مؤكدة عن مشروع قانون قد يُحال إلى الجهات المختصة لإلغاء عقوبة الإعدام في سورية، وما يُشاع عن تفاهمات أو التزامات سابقة تحول دون تنفيذ هذه العقوبة بحق شخصيات من النظام السابق. وحتى هذه اللحظة لا يوجد إعلان رسمي يؤكد صحة هذه المعلومات، لكن خطورتها تفرض على الحكومة أن توضح موقفها للرأي العام.

إن صدور مثل هذا القانون في هذا التوقيت، وقبل استكمال الإجراءات القضائية في القضايا الكبرى، سيُفسَّر لدى قطاع واسع من السوريين على أنه التفاف على العدالة، وسيهز الثقة بمشروع العدالة الانتقالية، مهما كانت المبررات القانونية أو السياسية.

وأقولها بوضوح للسيد أحمد الشرع وللحكومة الانتقالية: إياكم أن تقعوا في هذا الفخ. فالحاضنة الشعبية التي منحتكم ثقتها لم تفعل ذلك لتستبدل ظلماً بظلم، ولا لتغلق ملفات الجرائم الكبرى دون محاسبة عادلة. إن أي خطوة تُفهم على أنها حماية لمرتكبي الجرائم من العقاب ستدفع ثمنها الدولة قبل غيرها، وستفتح أبواباً من فقدان الثقة يصعب إغلاقها.

إن سورية اليوم بحاجة إلى قضاء مستقل، وعدالة نزيهة، ومحاكمات عادلة، وأحكام تُنفذ وفق القانون، لا إلى رسائل توحي بأن حسابات السياسة تتقدم على حقوق الضحايا.

فالعدالة ليست انتقاماً... لكنها أيضاً ليست عفواً مجانياً عن الجرائم الكبرى.

والتاريخ لن يرحم من يفرّط بأول فرصة حقيقية لإنصاف السوريين.