العدالة لا تُقاس بالأسماء... بل بالمبادئ التي تحكمها.

Salah Kirata • ٢٥‏/٧‏/٢٠٢٦

61033.png

العدالة لا تُقاس بالأسماء...
 بل بالمبادئ التي تحكمها.

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

قد يستغرب كثيرون أنني، وفي الوقت الذي أبذل فيه كل ما أستطيع من جهد للدفع نحو إنزال أقصى العقوبات القانونية وهي الإعدام شنقا بحق المجرم ( وسيم الأسد )، جراء ما اقترفت بحق السوريين من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يندى لها جبين البشرية متطوعا دفعه حقده وطائفيته ورغبته بجمع مزيد من الثروة من أموال وذهب، أجد نفسي في المقابل أدافع عن حق ضباط ومسؤولين آخرين أُلقي القبض عليهم ويخضعون للمحاكمة أمام السلطات المختصة التابعة للحكومة الانتقالية.

قد يبدو الأمر متناقضًا، لكنه في الحقيقة ليس كذلك على الإطلاق.

لقد قلتها يومًا، وأكررها اليوم:
 لو كنت منتسبًا إلى نقابة المحامين، لعُدت إلى دمشق متطوعًا للدفاع عن العميد عاطف نجيب، ليس دفاعًا عن شخصه، فأنا لا أعرفه معرفة شخصية، كما لا أعرف أحمد بدر الدين حسون، ولا غيرهما من المسؤولين الموقوفين، وإنما دفاعًا عن مبدأ أراه من أخطر المبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها أي دولة تحترم نفسها:
 أن يُحاكم الإنسان على ما ثبت عليه قانونًا، لا على موجة الكراهية التي تحيط باسمه، وأن يبقى لكل متهم حق الدفاع الكامل والمحاكمة العادلة...

بل إنني أذهب أبعد من ذلك، فأنا لا أدافع عن هؤلاء وحدهم، وإنما أدافع مسبقًا وحاليًا ومستقبلًا عن كل مسؤول يتولى وظيفة عامة في ظل أي حكومة شرعية أو تدّعي الشرعية، لأنني على يقين بأن عجلة السياسة لا تتوقف عند أحد، وأن من يجلس اليوم على منصة الحكم قد يجلس غدًا في قفص الاتهام. تلك هي السياسة؛ لا تعرف الوفاء، ولا تحفظ الجميل، ولا تعترف إلا بموازين القوة وتبدل المصالح...

ولهذا فإن الدولة التي تجعل القضاء أداة للانتقام، لن تجد بعد سنوات من يحمي رجالها عندما تتبدل الموازين...

إن ما أستند إليه ليس عاطفة، ولا علاقة شخصية، ولا انحيازًا سياسيًا، وإنما قاعدة قانونية معروفة في الفقه الجزائي السوري، هي ما يُعرف بـ ( سلوك الرجل المعتاد )، وهي قاعدة تجيز للقاضي، في حالات ضيقة يختلط فيها اليقين بالشك، أن يسأل نفسه سؤالًا جوهريًا:

( لو كنت مكان هذا الرجل، وفي الظروف نفسها، هل كنت سأتصرف بالطريقة ذاتها )؟..

فإن وجد أن الجواب هو "نعم"، كان له أن يلتمس الظروف المخففة التقديرية. وإن وجد أن الجواب هو "لا" جاز له أن يأخذ بالظروف المشددة التقديرية...

ومن هنا أطرح السؤال الذي يتهرب منه كثيرون وهو :
- لو كان أي واحد من السوريين في موقع أي مسؤول أمني أو إداري أو عسكري، ماذا كان سيفعل؟..
-  أكان سيقف متفرجًا إذا اعتقد أن الدولة التي يعمل باسمها تتعرض للفوضى أو الاضطرابات؟..
-  أم كان سيحاول ــ بصواب أو بخطأ ــ تنفيذ ما يراه واجبًا تمليه عليه وظيفته وتعليماته؟..

هذا السؤال لا يهدف إلى تبرئة أحد، بل إلى منع تحويل القضاء إلى محكمة للنوايا، وإلى التمييز بين المسؤولية الفردية التي تُثبتها الأدلة، وبين الإدانة الجماعية التي تُصدرها الانفعالات...

ثم دعونا نكون صريحين مع أنفسنا:

- كم من رجال الدين، وكم من الضباط، وكم من المواطنين، كانوا ينظرون إلى الحكومة السورية السابقة بوصفها الحكومة الشرعية، تمامًا كما ينظر كثيرون اليوم إلى الحكومة الحالية؟
- وكم من أصحاب العمائم كانوا يحلمون بمنصب الإفتاء أو بالمناصب الدينية العليا؟..
- وهل نسي السوريون أولئك الذين بالغوا في مديح السلطة، وأغرقوا الرئيس بأوصاف الحكمة والعبقرية والثقافة والفلسفة، ومن رجال دين كانوا يتمسكون به صباح مساء...
- وكءا كم من الضباط كانوا يتمنون أن تسند اليهم قيادة الفرق العسكرية أو رئاسة الأفرع الأمنية؟..
-  وكم من الانشقاقات لم يكن سببها مبدأ، بل لأن أصحابها لم ينالوا المواقع التي كانوا يطمحون إليها؟..

لنكن صادقين، فحارتنا ضيقة، وكلنا يعرف بعضنا بعضًا.

لقد تراجع الوطن، منذ سنوات طويلة، أمام المصالح الشخصية والطموحات الفردية، حتى صار كثيرون يبدلون مواقفهم بتبدل موازين القوة، ثم يطالبون الآخرين بأن ينسوا كل ما سبق...

لهذا أرفض أن تتحول العدالة إلى وسيلة لتصفية الحسابات، كما أرفض في الوقت نفسه أن تتحول إلى مظلة للإفلات من العقاب...

فالعدالة الحقيقية لا تعرف الانتقائية، ولا تُفصل على قياس الأشخاص، ولا تتغير بتغير الحكومات...

إما أن تكون عدالة تحمي الجميع، حتى من نختلف معهم ونبغضهم، وإما أنها لن تحمي أحدًا عندما تدور الأيام، ويجلس خصوم اليوم في مقاعد السلطة، ويجلس حكام اليوم في مقاعد الاتهام.