العقل الإقصائي في سورية... من تفجير الطائفية عام 1979 إلى عسكرة شعارات الكرامة

Salah Kirata • ٢٠‏/٦‏/٢٠٢٦

49532.png


العقل الإقصائي في سورية...
 من تفجير الطائفية عام 1979 إلى عسكرة شعارات الكرامة:

إن القراءة التاريخية للأحداث التي شهدتها مدينة حلب في السادس عشر من حزيران عام 1979، وتحديداً ما عُرف بـ"مجزرة كلية المدفعية"، محطة مفصلية غيّرت مجرى التاريخ السوري المعاصر، ففي ذلك اليوم، قام النقيب إبراهيم اليوسف، وبتوجيه من تنظيم "الطليعة المقاتلة" المرتبط بالإخوان المسلمين، بفرز طلاب ضباط المدرسة عازلاً الطلاب العلويين، ومن ثم تصفيتهم بدم بارد، علما أن الفرز أو العزل لم يكن دقيقا لأنه اعتمد على ذاتيات طلاب الضباط وتحديدا مكان الولادة وطبيعي وتبعا لعمل والد الطالب أن يكون ميلاد اي طالب مغاير لانتمائه الضيق اقصد أن يولد علوي في مدينة غالبيتها من السنة والعكس صحيح واجزم أن طلابا سنة ارتقت أرواحهم وطلاب علويين طالهم عفو المجرم ابراهيم اليوسف بإخراجهم من الندوة مما أسفر عن مقتل وعشرات الجرحى من شبان كانوا يستعدون للانخراط في صفوف الجيش السوري...

عموماً:
جاءت هذه العملية الصادمة في وقت لم تكن فيه البلاد قد دخلت بعد في دوامة المواجهات الأمنية الواسعة، ولم تكن السلطة السورية حينها قد اتخذت إجراءات استثنائية ضد التنظيمات الإسلامية بالشكل الذي تلا الحادثة، بل كانت الساحة السياسية تشهد تجاذبات تقليدية...
قناعاتي كأحد الطلاب الذين كانوا شهود عيان على ماحدث في مساء ذلك اليوم المشؤوم من تاريخ سورية حيث قسمته أنا إلى ما قبل المجزرة وما بعدها لجهة الآثار والتداعيات...
ما أريد أن أقوله هنا ليس كوني أحد ضحايا هذه المذبحة بل كناشط سياسي منذ كنت يافعا في المرحلة الثانوية فأنا اصغر من تولى مهمة حزبية في تاريخ سورية وكذا أصغر من نال شرف العضوية في حزب البعث العربي الاشتراكي، كل ما كنت عليه وقتها يجعلني اقول :
 أن توقيت المجزرة لم يكن معزولاً عن المشهد الإقليمي؛ فقد وقعت بعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978 بين مصر وإسرائيل، ورفض دمشق القاطع لهذه الاتفاقية وقيادتها لجبهة الرفض العربية، وفي هذا السياق، يُنظر إلى تحرك الخلايا المسلحة في الداخل كأداة للضغط الإقليمي والدولي لإشغال القيادة السورية وإنهاكها داخلياً لمنعها منعرقلة المشاريع السياسية التي كانت ترسم للمنطقة...

لقد شكلت محزرة كلية مدفعية الميدان الإعلان الفعلي لانطلاق العمل المسلح ذي الصبغة الطائفية من قِبل التيارات الإسلامية المتطرفة، وهو ما فجّر سلسلة من الأحداث الدموية اللاحقة، مثل مواجهات حماة في مطلع الثمانينيات، ووضع الدولة السورية في مواجهة وجودية فرضت عليها خيار الحسم الأمني الصارم لحماية كيانها واستقرارها...
وفي التالي من قولي في مقالي سأحاول الربط بين الجذور الفكرية والعملية لتلك الحقبة، وبين ما شهدته سورية بعد عقود في أحداث عام 2011، حيث أرى أن الشعارات التي رُفعت باسم "الحرية والكرامة" وتصدّرتها لاحقاً الفصائل المتطرفة، ما هي إلا امتداد لنفس العقلية الإقصائية التي ظهرت عام 1979، مدفوعةً بدعم مالي ولوجستي من قوى إقليمية ودولية (مثل تركيا وقطر) التي سعت لإسقاط دولة السورية وتفتيتها خدمةً لمصالح خارجية، وتوظيف المنصات الإعلامية لتزييف الحقائق الفردية وتضخيمها لتهيج الشارع...

اصدقائي السوريون ممن لايفرق بينكم عرق ولادين أرجو أن تمضوا معي في قراءة هذه المحطة التاريخية وتداعياتها برؤية تحليلية ومحايدة، وستجدون انه يمكن استنتاج النقاط التالية:
 *ضرب مفهوم المواطنة وتأسيس الطائفية السياسية:
 -  إن أخطر تداعيات مجزرة مدرسة المدفعية لم يكن الخسارة البشرية العسكرية الفادحة فحسب، بل هو "شرعنة" الفرز الطائفي علناً لأول مرة في تاريخ سورية الحديث، وذلك من خلال ماظهر باستهداف الطلاب على أساس انتمائهم المذهبي، حيث ضرب التنظيم المسلح مفهوم "الجيش العقائدي الجامع" وهزّ أسس المواطنة، مما خلق شروخاً عميقة في النسيج الاجتماعي السوري استغرقت عقوداً لمحاولة ترميمها، وأُعيد استغلالها بعنف بعد عام 2011...
 *  عسكرة الفضاء العام وتغليب الخيار الأمني:
 - فقد وضعت هذه العملية الدولة السورية أمام تحدٍّ أمني غير مسبوق، وأجبرتها على الانتقال من إدارة التوازنات السياسية إلى اعتماد "القبضة الحديدية" كخيار وحيد للحفاظ على بقاء الدولة. هذا التحول الاستراتيجي أدى إلى تراجع العمل السياسي المدني لصالح المنظومة الأمنية، وهو المناخ الذي استمر لعقود وأثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع...
* الارتباط بين الأجندات الداخلية والمشاريع الخارجية:
 -  تثبت القراءة المعمقة للأحداث السورية أن الاستقرار الداخلي كان دائماً مستهدفاً كلما اتخذت دمشق مواقف إقليمية ممانعة للمشاريع الغربية أو الإسرائيلية، اذ لطالما وجدت القوى الخارجية في الجماعات الدينية المتطرفة نقطة ضعف يمكن اختراقها واستغلالها لزعزعة استقرار البلاد؛ فالإصرار على العنف المسلح بدلاً من الإصلاح السياسي السلمي يعكس غياب المشروع الوطني الجامع لدى هذه التنظيمات، وتحولها إلى أدوات وظيفية في الصراعات الدولية...
باختصار:
إن تداعيات أحداث 1979 وما تلاها تؤكد أن سورية ككيان وجغرافيا ودولة، تدفع دائماً ضريبة موقعها ومواقفها الجيوسياسية، وإن مواجهة الفكر الإقصائي تقتضي ليس فقط الحسم الأمني والعسكري، بل تحصين الوعي الشعبي، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، والتأكيد على أن صون الدولة ومؤسساتها هو الضامن الوحيد لعدم انزلاق البلاد نحو الفوضى والتفتيت.