الدولة والمجتمع في التجربة السورية: تأملات في جدلية السلطة والرعاية

Salah Kirata • ١٢‏/٧‏/٢٠٢٦

56024.png

الدولة والمجتمع في التجربة السورية: تأملات في جدلية السلطة والرعاية

ليست التجارب التاريخية الكبرى مما يُقاس بمقياس الإدانة أو التبرير، ولا هي مما يُختزل في أحكام أخلاقية تُصدرها الأجيال اللاحقة على أسلافها. فالتاريخ، في جوهره، هو ميدان لفهم الإنسان وهو يصنع خياراته تحت وطأة ظروفه، كما هو ميدان لفهم الدولة وهي تبحث عن أسباب بقائها في عالم تتنازعه المصالح والصراعات. ومن هذا المنطلق، فإن تجربة حزب البعث في سورية تظل من أكثر التجارب العربية المعاصرة تعقيداً، لأنها جمعت بين مشروع لبناء دولة قوية ذات حضور اجتماعي واسع، وبين نظام سياسي ضيّق مجال الحرية إلى الحد الذي جعل الدولة، في نظر كثيرين، تتماهى مع السلطة.

حين تسلم البعث مقاليد الحكم عام 1963، لم يكن يدخل فراغاً سياسياً، بل كان وارثاً لدولة حديثة العهد بالاستقلال، أنهكتها الانقلابات العسكرية، وعانت هشاشة المؤسسات، وتنازع الولاءات، والتفاوت الاجتماعي. وكان السؤال الذي واجه النخبة الحاكمة آنذاك هو سؤال الدولة قبل أن يكون سؤال السلطة: كيف تُبنى دولة قادرة على الصمود في محيط إقليمي مضطرب، وفي مجتمع لا تزال بنيته التقليدية أقوى من مؤسساته الحديثة؟

في ضوء هذا السؤال، اتجهت السلطة الجديدة إلى توسيع دور الدولة في الاقتصاد والتعليم والإدارة، ورأت في المركزية وسيلة لتوحيد القرار الوطني وتسريع عملية التغيير الاجتماعي. غير أن هذا المسار حمل في داخله بذور تناقضه؛ فكلما ازدادت قدرة الدولة على إدارة المجتمع، ازداد ميلها إلى الحد من استقلال المجتمع عنها، حتى أصبح الأمن السياسي جزءاً من تعريف الدولة نفسها.

ولم يكن هذا التطور منفصلاً عن السياق الذي عاشته المنطقة. فقد كانت سنوات الستينيات والسبعينيات زمناً للمشروعات الكبرى، وللصراعات الإيديولوجية الحادة، وللتدخلات الإقليمية والدولية التي جعلت كثيراً من الأنظمة العربية تنظر إلى الاستقرار بوصفه شرطاً سابقاً لكل إصلاح. وفي سورية، تداخلت هذه الاعتبارات مع صراعات داخلية اتخذ بعضها طابعاً مسلحاً، ولا سيما في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات، فتعزز الاعتقاد لدى السلطة بأن بقاء الدولة مرهون بإحكام قبضتها الأمنية.

وهنا برزت المفارقة التي ستطبع التجربة السورية لعقود. ففي الوقت الذي انكمش فيه المجال السياسي، اتسع المجال الاجتماعي للدولة. فقد أصبحت المدرسة والجامعة والمشفى والوظيفة العامة والدعم الحكومي ركائز أساسية في حياة المواطن. ولم تكن هذه السياسات مجرد تدابير إدارية، بل كانت تعبيراً عن تصور للدولة يرى أن شرعيتها تقوم، في جانب مهم منها، على قدرتها على تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية وصون الحد الأدنى من الكفاية المعيشية.

وقد نجح هذا التصور، زمناً غير قصير، في إنتاج قدر من التماسك الاجتماعي، وأسهم في نشوء طبقة وسطى أدت دوراً مهماً في استقرار المجتمع. إلا أن هذا النجاح لم يكن بمنأى عن عوامل التآكل. فمع التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد في العقود اللاحقة، وتراجع الدور الإنتاجي للدولة، واتساع نفوذ شبكات الامتياز والاحتكار، أخذت أسس العقد الاجتماعي القديم تتفكك تدريجياً، من غير أن يرافق ذلك انفتاح سياسي يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وهكذا وجدت سورية نفسها أمام معادلة مختلة؛ إذ بقيت أدوات الضبط السياسي على حالها تقريباً، بينما تراجعت الوظيفة الاجتماعية التي منحت الدولة جزءاً مهماً من مشروعيتها. وعندما تضعف الشرعية الاجتماعية، ولا تتوسع الشرعية السياسية، تصبح الدولة أكثر عرضة للاهتزاز أمام الأزمات، مهما بلغت قوة مؤسساتها الأمنية.

إن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا تُغفل الإنجازات، كما يقتضي ألا تُحجب الإخفاقات. فمن الإنصاف الاعتراف بما وفرته الدولة، في مراحل طويلة، من تعليم ورعاية صحية ودعم للمعيشة، ومن الإنصاف أيضاً الإقرار بأن تضييق المجال العام، وإضعاف المؤسسات المستقلة، واحتكار القرار السياسي، كانت عوامل تركت آثاراً عميقة في بنية المجتمع والدولة معاً.

ولعل الدرس الذي تقدمه التجربة السورية يتجاوز حدودها الوطنية. فالدولة التي تجعل الأمن بديلاً عن الحرية، لا تلبث أن تكتشف أن الأمن ذاته يحتاج إلى شرعية. والدولة التي تجعل الحرية بديلاً عن العدالة الاجتماعية، لا تلبث أن تجد أن الحرية تصبح امتيازاً للقادرين دون سواهم. أما الدولة التي تصمد عبر الزمن، فهي التي تجعل القانون فوق السلطة، والإنسان غاية التنمية، والعدالة والحرية ركنين متكاملين لا يتنازع أحدهما الآخر.

وهكذا يبقى تاريخ الأمم مدرسة للتأمل لا محكمة للإدانة؛ لأن الغاية من قراءة الماضي ليست استحضار خصوماته، وإنما استخلاص العبرة التي تحول دون تكرار مآسيه، وتفتح الطريق أمام مستقبل تتوازن فيه قوة الدولة مع حرية المجتمع، ويصبح فيه الاستقرار ثمرةً للثقة لا للخوف، ونتيجةً للعدل لا لمجرد القدرة على فرض النظام.