المضيق بدلاً من المفاعل: كيف أعادت إيران تعريف معادلة الصراع

Salah Kirata • ١٢‏/٧‏/٢٠٢٦

56044.png

المضيق بدلاً من المفاعل: 
كيف أعادت إيران تعريف معادلة الصراع؟.

على امتداد أكثر من عقدين، بدا أن العالم يحصر خلافه مع إيران في سؤال واحد: 
- ماذا يجري داخل منشآتها النووية؟..                                كانت أجهزة الطرد المركزي، ونسب التخصيب، وتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هي عناوين الصراع الظاهرة، لكن السياسة، كما يعلمنا التاريخ، لا تستقر طويلاً عند عنوان واحد، بل تنتقل دائماً إلى النقطة التي تلامس المصالح الكبرى...

اليوم:
لم يعد المفاعل النووي هو مركز الثقل في المواجهة، بل مضيق هرمز، هنا انتقلت المعركة من التكنولوجيا إلى الجغرافيا، ومن حسابات الفيزياء النووية إلى حسابات الاقتصاد العالمي...

أدركت طهران أن رفع نسبة التخصيب قد يثير القلق في العواصم الغربية، لكنه لا يهز الأسواق بالسرعة التي يفعلها مجرد التلويح باضطراب الملاحة في المضيق الذي يعبر منه جزء مهم من تجارة النفط العالمية، ومن هنا أعادت ترتيب أوراقها؛ فالمفاعل أصبح ورقة ردع، بينما تحول المضيق إلى ورقة تفاوض...

ولذلك:
لم يكن هدف إيران إغلاق هرمز، فهي تعلم أن هذه مغامرة قد تفضي إلى حرب لا تريدها، لكنها نجحت في استثمار احتمال الاضطراب أكثر من الاضطراب نفسه، فالتصريحات، والمناورات، واحتجاز بعض الناقلات، كانت رسائل محسوبة تكفي لرفع كلفة التأمين، وإرباك الأسواق، ودفع القوى الكبرى إلى البحث عن احتواء الأزمة قبل انفجارها...

وهكذا، توسع جدول الأعمال، لم يعد الغرب يناقش إيران بوصفها دولة تمتلك برنامجاً نووياً فحسب، بل بوصفها دولة تمسك أيضاً بإحدى أهم العقد الجيوسياسية في العالم، وانتقل الحوار، تدريجياً، من عدد أجهزة الطرد المركزي إلى أمن الملاحة، ومن تخصيب اليورانيوم إلى استقرار أسواق الطاقة...

ولا يعني ذلك أن الملف النووي فقد أهميته، بل تغيرت وظيفته. فقد وصلت إيران إلى مرحلة تعتبر فيها أن المعرفة النووية أصبحت واقعاً لا يمكن مصادرته، بينما بقيت الجغرافيا هي الورقة الأكثر قدرة على إنتاج النفوذ السياسي بصورة يومية...

لكن لهذه المعادلة حدودها أيضاً، فالغرب يعمل على تقليل اعتماده على نفط الخليج، ويفتش عن بدائل للطاقة ومسارات جديدة للنقل، فيما يبقى أي تصعيد غير محسوب مخاطرة قد تنقلب على الجميع...

ومع ذلك، يبقى التحول الأهم أن طهران نجحت في إعادة تعريف الصراع. فلم يعد السؤال المركزي: 
- ماذا يحدث داخل المفاعل؟..
 بل أصبح: 
- ماذا يمكن أن يحدث في المضيق؟..

وفي السياسة، كثيراً ما تكون الجغرافيا أكثر بلاغة من التكنولوجيا، لأن الدول تستطيع أن تتعايش مع مشروع نووي مؤجل، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل شرياناً بحرياً إذا اضطرب، اضطرب معه الاقتصاد العالمي بأسره.