
مجلس الشعب السوري الجديد:
من شرعية المرحلة إلى تأسيس الدولة.
خارطة طريق وطنية لمجلس يحمل أمانة العبور:
لا تُقاس قيمة البرلمانات بعدد المقاعد التي تضمها، ولا بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما تُقاس بقدرتها على تغيير مسار التاريخ عندما تقف الأوطان على حافة الانهيار...
ومن هذه الزاوية، فإن انعقاد مجلس الشعب السوري في أول دورة تشريعية خلال المرحلة الانتقالية لا يمثل مجرد استحقاق دستوري أو محطة بروتوكولية في مسار سياسي جديد، بل يشكل بداية فعلية لما يمكن تسميته "التأسيس الثاني للدولة السورية"؛ دولة تُبنى هذه المرة على إرادة السوريين، وسيادة القانون، والشراكة الوطنية، لا على احتكار السلطة أو منطق الغلبة...
لقد خرجت سورية من سنوات طويلة أنهكت الإنسان والمؤسسات والجغرافيا معاً، ولذلك فإن المجلس الجديد لا يبدأ عمله من نقطة الصفر، بل من تحت الصفر، وسط إرث ثقيل من الانقسام، والانهيار الاقتصادي، والتشظي الاجتماعي، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. ولهذا فإن المهمة المطروحة أمام أعضائه ليست تشريع القوانين فحسب، وإنما إعادة إنتاج الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن ومؤسسات الحكم...
إن المرحلة الراهنة تفرض على مجلس الشعب أن يتحول من مؤسسة تشريعية تقليدية إلى غرفة قيادة وطنية تواكب إعادة بناء الدولة في مختلف أبعادها السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية...
وأولى الأولويات تتمثل في إعادة ترميم الهوية الوطنية السورية، عبر تشريعات تؤسس لمبدأ المواطنة الكاملة، والمساواة أمام القانون، وتجريم جميع أشكال التمييز والإقصاء والكراهية، بحيث يشعر كل سوري، مهما كان انتماؤه أو منطقته أو معتقده، بأنه شريك كامل في وطن واحد لا مكان فيه لمواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية...
ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما لم تستعد الدولة احتكارها المشروع للقوة. فسيادة القانون تبدأ من سيادة الدولة على كامل أراضيها، ومن حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وإنهاء جميع مظاهر الفوضى العسكرية، ورفض أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، باعتبار أن الأمن هو الشرط الأول للاستقرار، والاستقرار هو الشرط الأول للتنمية...
وفي الجانب الاقتصادي، يقف المجلس أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن الملفات السياسية، فالمواطن السوري ينتظر حلولاً لا خطابات، وتشريعات تفتح أبواب الاستثمار، وتحارب الفساد، وتحمي المال العام، وتعيد بناء البنية التحتية، وتوفر البيئة القانونية اللازمة لعودة رؤوس الأموال والكفاءات السورية المنتشرة في أنحاء العالم، لأن إعادة الإعمار تبدأ بالقانون قبل الإسمنت...
كما أن المجلس مطالب بوضع الأسس التشريعية لدولة المؤسسات، من خلال مراجعة منظومة القوانين الناظمة للحياة السياسية والإدارية، وإطلاق إصلاح شامل لقوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام والإدارة المحلية، بما يضمن التداول السلمي للسلطة، واستقلال القضاء، وتعزيز الحريات العامة ضمن إطار سيادة القانون...
وفي قلب هذه المرحلة تقف العدالة الانتقالية بوصفها الضمانة الحقيقية للمصالحة الوطنية. فلا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا قانون، ولا قانون بلا مؤسسات مستقلة. ومن هنا فإن إصدار التشريعات الخاصة بكشف مصير المفقودين، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق معايير العدالة، يمثل حجر الأساس لإغلاق صفحات الماضي دون دفن الحقيقة...
وفي المقابل، فإن المجلس مدعو إلى ممارسة رقابة حقيقية على أداء الحكومة الانتقالية، لأن المراحل الاستثنائية تحتاج إلى رقابة استثنائية. فكل مشروع، وكل عقد، وكل عملية إنفاق، يجب أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والمساءلة، حتى لا تتحول مرحلة إعادة البناء إلى فرصة جديدة لإعادة إنتاج الفساد...
غير أن نجاح المجلس لن يتحقق بالنصوص وحدها، بل بثقافة سياسية جديدة تقوم على الحوار، واحترام الرأي الآخر، والعمل بروح الفريق الوطني، فسورية لم تعد تحتمل عقلية المحاور أو منطق المنتصر والمهزوم، وإنما تحتاج إلى كتلة وطنية عابرة للأحزاب والانتماءات، تجعل الوطن فوق كل اعتبار...
ومن الضروري أيضاً أن يفتح المجلس أبوابه بصورة دائمة أمام الجامعات، والنقابات، والخبراء، ومنظمات المجتمع المدني، والطاقات الشبابية، لأن التشريع الذي يُصاغ داخل المكاتب المغلقة غالباً ما يعجز عن ملامسة واقع الناس، بينما يولد القانون القادر على الحياة من حوار المجتمع مع مؤسساته...
كما ينبغي أن يتبنى المجلس مبدأ الواقعية السياسية؛ فالانتقال الناجح لا يبنى بالقفز فوق الوقائع، وإنما بالتدرج المدروس، إن إنجازات صغيرة قابلة للتنفيذ، يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية، ستكون أكثر قيمة من وعود كبيرة تعجز الدولة عن تحقيقها...
أما على المستوى الخارجي، فإن المجلس يتحمل مسؤولية دعم توجهات الدولة نحو بناء علاقات متوازنة مع جميع الدول، قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة، بعيداً عن سياسة المحاور والارتهان، بما يعيد لسورية مكانتها العربية والإقليمية والدولية، ويفتح أبواب التعاون الاقتصادي والاستثماري الذي تحتاجه عملية النهوض...
ويبقى التحدي الأكبر هو بناء الثقة، فالسوريون لا ينتظرون معجزات، لكنهم ينتظرون مؤشرات واضحة على أن زمن الدولة المغلقة قد انتهى، وأن البرلمان أصبح صوت المجتمع لا صدى السلطة، ورقيباً عليها لا تابعاً لها، وشريكاً في صناعة المستقبل لا شاهداً على الأزمات...
إن التاريخ منح هذا المجلس فرصة نادرة، لكنه في الوقت نفسه حمّله مسؤولية استثنائية. وما سيكتبه أعضاؤه في السنوات المقبلة لن يبقى مجرد محاضر جلسات أو نصوص قوانين، بل سيصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة...
ولهذا، فإن نجاح مجلس الشعب الجديد لن يُقاس بعدد الجلسات التي يعقدها، ولا بحجم التشريعات التي يصدرها، وإنما بقدرته على إعادة بناء الدولة، وترميم الثقة، وصناعة الأمل، وتحويل المرحلة الانتقالية من حالة انتظار إلى مشروع وطني متكامل يعيد لسورية وحدتها، وسيادتها، ومكانتها بين الأمم...
باختصار:
لقد بدأت رحلة العبور، ولم يعد أمام مجلس الشعب سوى خيار واحد:
أن يكون برلمان الدولة التي يحلم بها السوريون، لا برلمان المرحلة التي فرضتها الظروف، ففي لحظات التحول الكبرى، لا تصنع المؤسسات التاريخ، بل يصنع التاريخ المؤسسات التي ترتقي إلى مستوى مسؤولياتها.