
"الجراحة السياسية" في الشرق الأوسط...
بين ضرب حزب الله وإعادة تموضع سوريا في معادلة النار:
في المشهد السياسي الشرق أوسطي، نادراً ما تكون التصريحات مجرد كلمات، وغالباً ما تتحول العبارات الفضفاضة إلى أدوات ضغط، تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوة دون الحاجة إلى إعلان حرب مباشرة. ضمن هذا السياق، تأتي التصريحات المنسوبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تنفيذ "عمليات جراحية" ضد حزب الله، مع الإشارة إلى إمكانية الاستعانة بسوريا، لتفتح باباً واسعاً أمام قراءة تتجاوز ظاهر اللغة نحو عمق الاستراتيجية...
ما يبدو في الخطاب وكأنه تهديد عسكري مباشر، هو في جوهره أقرب إلى هندسة سياسية للأزمات:
" إدارة صراع طويل، وضبط إيقاع التصعيد، وإعادة توزيع الأدوار الإقليمية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة" ...
للعلم :
فإننا و وفقاالمفهوم العسكري، فإن مصطلح " العمليات الجراحية" ليس جديداً، بل هو تعبير عن عقيدة تقوم على استخدام القوة بشكل دقيق ومحدود، يستهدف مراكز الثقل في الخصم دون الدخول في حرب واسعة، لكن هذه الدقة المفترضة تخفي خلفها معضلة عميقة، فكل ضربة "محدودة" في بيئة معقدة مثل لبنان وسورية لا تبقى محدودة، بل تتحول سريعاً إلى سلسلة ارتدادات يصعب التحكم بها...
وحزب الله تحديداً ليس هدفاً تقليدياً يمكن عزله في موقع أو بنية واحدة، كونه طرف رئيس في شبكة متداخلة من القوة العسكرية والسياسية والاجتماعية، تمتد من الجنوب اللبناني وتتشابك مع معادلات الردع الإقليمي. لذلك فإن أي تصور لضربه " جراحياً " يفترض مسبقاً إمكانية فصل الجسد عن البيئة، وهو افتراض نظري أكثر منه عملي...
من جهة أخرى، لا أظن أن الولايات المتحدة في وارد الدخول في حرب مفتوحة، بل في إطار إدارة تصعيد محسوب، والهدف ليس الحسم العسكري، بل إعادة تشكيل السلوك السياسي والعسكري للخصوم عبر الضغط المستمر، وترك مساحة كافية للإنكار والتراجع. في هذا النموذج، تصبح إسرائيل الذراع التنفيذية الأساسية، بينما تحتفظ واشنطن بدور المنسق والموجّه الذي يحدد سقف النار ولا يشارك في اشتعالها مباشرة...
هذا الأسلوب يحقق ثلاثة أهداف متوازية:
- رفع كلفة القرار لدى حزب الله، دعم التفوق الإسرائيلي دون حرب شاملة... - وإبقاء الإقليم في حالة توتر يمكن التحكم بها سياسياً...
لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطرة بنيوية اقصد إمكانية :
" أن يتحول التوتر المضبوط إلى انفجار غير محسوب إذا اختلت معادلة الردع"...
أما الإشارة إلى سورية في هذا السياق، فهي الأكثر حساسية وتعقيداً، فحتى في حال وجود رغبة أميركية في إشراك أطراف إقليمية في احتواء حزب الله، فإن الحديث لا يمكن أن ينصرف إلى " مشاركة عسكرية مباشرة" ، بل إلى أدوار غير قتالية مثل: - ضبط الحدود...
- منع التهريب...
- أو الانخراط في ترتيبات أمنية غير معلنة...
لذا فسوريا هنا لا تظهر كطرف مهاجم، بل كـ منطقة توازن جيوسياسي تُستدعى عند الحاجة لتخفيف أو إعادة توزيع الضغط، دون أن تتحول إلى شريك في العمليات العسكرية، ذلك أن أي انخراط مباشر في مواجهة حزب الله يعني الدخول في شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية التي تتجاوز القدرة السورية على التحكم بنتائجها...
في المقابل، يقف المشهد "الإسرائيلي– الحزب الله" عند نقطة استنزاف طويلة الأمد، فإسرائيل تسعى إلى تقليص قدرة الحزب على تشكيل تهديد استراتيجي على حدودها الشمالية، بينما يعتمد حزب الله على عقيدة الردع المتبادل، حيث لا الهدف هو النصر، بل منع الخصم من تحقيق النصر أيضاً. هذا التوازن لا يُنتج سلاماً، بل يُنتج حالة حرب منخفضة الشدة مستمرة، قابلة للانفجار في أي لحظة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة " العمليات الجراحية" : فهي لا تنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيداً، حيث تصبح كل ضربة محسوبة بداية محتملة لسلسلة ردود لا يمكن احتواؤها بسهولة...
أما سورية، فهي تقف في موقع بالغ الحساسية بين الجغرافيا والسياسة، فهي ليست طرفاً في قرار الحرب، لكنها ليست خارج تأثيراتها أيضاً...
اقصد أن أي تصعيد كبير في لبنان سينعكس عليها أمنياً وسياسياً، سواء عبر الحدود أو عبر شبكة التحالفات الإقليمية، وفي حال توسع الصراع، قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة:
- بين محاولة البقاء خارج المواجهة...
- أو الانجراف التدريجي إلى محيطها دون قرار مباشر منها...
في النهاية: ما تكشفه هذه التصريحات ليس نية حرب بقدر ما هو استمرار لنمط إدارة الصراعات في الشرق الأوسط بمعنى :
" لا حسم نهائي، ولا سلام مستقر، بل توازنات تُدار بالنار المحسوبة".
لكن المفارقة التاريخية أن هذا النوع من " الدقة العسكرية" هو الأكثر قابلية للتحول إلى الفوضى، لأن كل عملية جراحية في جسد إقليمي متشابك قد تنتهي، لا بإزالة المرض، بل بإيقاظه في أماكن أخرى أكثر خطورة...
وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً:
- هل نحن أمام إعادة ضبط للمنطقة؟… أم :
- أمام إعادة إنتاج لحرب مؤجلة فقط؟.