
التنف...
حين فضحت الصواريخ حقيقة المشروع الإيراني؛
في السياسة كما في الحروب، قد تكون الرواية أخطر من الصاروخ. أما عندما تنهار الرواية أمام الوقائع، فإن الخسارة تصبح سياسية وأخلاقية قبل أن تكون عسكرية، وهذا ما يبدو أنه حدث في قاعدة التنف السورية...
فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف القوات الأمريكية في القاعدة، لكن إذا كانت المعطيات المتداولة حول انسحاب القوات الأمريكية منها صحيحة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: - من كان الهدف الحقيقي؟..
التوقيت وحده يثير كثيراً من علامات الاستفهام، فالهجوم جاء عقب إعلان السلطات السورية إحباط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود العراقية، وهي عملية قيل إنها كانت تستهدف الحفاظ على أحد أهم خطوط الإمداد المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة. وإذا صح وجود رابط بين الحدثين، فإن القصف لا يبدو موجهاً إلى واشنطن بقدر ما يبدو رسالة إلى دمشق مفادها أن المساس بشبكات النفوذ الإيرانية لن يمر دون رد...
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فمنذ سنوات، تقدم إيران نفسها باعتبارها رأس حربة في مواجهة الولايات المتحدة، لكن الوقائع كثيراً ما تشير إلى أن ساحات الاشتباك الحقيقية تكون داخل الدول العربية، وعلى حساب جيوشها ومؤسساتها وسيادتها...
عسكرياً، يفتح الهجوم باب احتمالين لا ثالث لهما:
- إما خلل استخباراتي كبير أدى إلى استهداف موقع لم يعد يضم قوات أمريكية...
- وإما أن الهدف كان معروفاً منذ البداية، وأن الرسالة كانت موجهة إلى الدولة السورية نفسها...
وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة واحدة وهي:
- انتهاك واضح للسيادة السورية وإثارة مزيد من التوتر على حدود تعاني أصلاً من هشاشة أمنية معقدة...
أما سياسياً، فإن الحادثة ــ إذا ثبتت تفاصيلها ــ تدعو إلى إعادة تقييم كثير من المسلمات التي رافقت الخطاب الإيراني طوال العقود الماضية، فالدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بأفعالها، والسياسات لا تُحاكم بخطاباتها، بل بالجهة التي تتلقى الصواريخ...
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن المشاريع العابرة للحدود لا تتردد في التضحية بحلفائها عندما تتعارض مصالحهم مع أهدافها الاستراتيجية. ومن هنا، فإن معركة اليوم ليست فقط حول قاعدة عسكرية، بل حول مفهوم الدولة والسيادة، وحول حق الدول العربية في حماية حدودها بعيداً عن صراعات النفوذ الإقليمي...
قد لا تكون صواريخ التنف قد غيّرت موازين القوى، لكنها، إن صحت هذه الوقائع، أسقطت كثيراً من الأقنعة، وفتحت الباب أمام سؤال لن يكون من السهل على طهران الإجابة عنه: إذا لم يكن في التنف جنود أمريكيون، فمن الذي استهدفته الصواريخ حقاً؟