
حين تصبح الكلمة جريمة:
من رشيد عساف إلى أسطورة "الربيع العربي"
ما تعرض له الفنان السوري رشيد عساف خلال الأيام الماضية لم يكن مجرد حملة انتقاد عابرة، بل كان نموذجًا مقلقًا لحالة الإقصاء الفكري التي ما زالت تحكم جزءًا من الخطاب السوري، فالرجل لم يدعُ إلى العنف، ولم يُنكر معاناة السوريين، ولم يبرر الاستبداد، وإنما استخدم تعبير "الأزمة السورية"، وأضاف ما معناه: "وعلى فرض أنها ثورة...". كانت جملة تكفي لإطلاق سيل من الشتائم والتخوين والتشهير، وكأن حق الاختلاف في توصيف حدث تاريخي أصبح جريمة تستوجب المحاكمة الشعبية...
المفارقة أن كثيرين ممن يرفعون راية الحرية وحرية التعبير لم يحتملوا رأيًا يخالف روايتهم، فسقطوا في الممارسة ذاتها التي طالما انتقدوها، فحرية الرأي لا تُختبر عندما نسمع من يوافقنا، بل عندما نختلف مع من يخالفنا...
وأنا، ومنذ اليوم الأول، لم أستخدم مصطلح "الثورة السورية"، لا في مقابلاتي التلفزيونية ولا في مقالاتي ولا في محاضراتي، ولم يكن ذلك يومًا إنكارًا لحق السوريين في رفض الاستبداد والمطالبة بالحرية والكرامة، فهذا حق طبيعي لا ينازع فيه أحد، وإنما لأن قراءتي لما كان يجري قادتني إلى استنتاج مختلف...
كنت أرى أن الاحتجاجات، مهما كانت دوافعها الداخلية، لم تلبث أن أصبحت جزءًا من صراع إقليمي ودولي أوسع، وأن سورية تحولت سريعًا من ساحة مطالب شعبية إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الدول وأجهزة الاستخبارات ومصالح القوى الكبرى...
ولهذا كنت أربط ما يجري بالمشروع الذي عُرف سياسيًا باسم "الشرق الأوسط الجديد"، وهو عنوان ارتبط بخطابات أمريكية في تلك المرحلة وقبلها وقد باشرت به ( كوندوليزا رايس) من على مأدبة ( السنيورة ) الآن العدوان الإسرائيلي على لبنان عام ٢٠٠٦، فيما حول إعادة تشكيل المنطقة. كما كنت أرى أن مفهوم "الفوضى الخلاقة"، الذي شاع في الأدبيات السياسية والإعلامية، لم يعد مجرد تنظير، بل بدا للكثيرين وكأنه يصف ما آلت إليه أحوال المنطقة، حيث يؤدي انهيار البنى السياسية والأمنية إلى إعادة رسم موازين القوى...
قد يختلف الباحثون في تفسير هذه المفاهيم أو في مدى انطباقها على كل ما جرى، لكن ما يصعب إنكاره هو أن النتائج النهائية كانت ثقيلة على شعوب المنطقة...
لقد قيل إننا أمام "ربيع عربي" سيقود إلى الديمقراطية والازدهار، لكن ما شهدناه في أكثر من دولة كان حروبًا أهلية، وانهيارًا اقتصاديًا، وتمزقًا اجتماعيًا، وصعودًا للتطرف، وتوسعًا غير مسبوق في التدخلات الخارجية. وفي سورية تحديدًا، أصبحت الأرض مسرحًا لصراعات دولية وإقليمية، وتراجع القرار الوطني أمام تضارب المصالح الخارجية...
وهنا يبرز السؤال الذي يرفض كثيرون الإجابة عنه:
- إذا كان المشروع قد نجح، فأين ثماره؟..
- وأين الدولة الديمقراطية التي وُعدت بها الشعوب؟..
- وأين الاستقرار الذي بشرت به الشعارات؟..
إن مراجعة التجربة ليست خيانة، كما أن إعادة قراءة التاريخ ليست ارتدادًا عن مبادئ الحرية، بل إن الشجاعة الفكرية تقتضي أن نقيس الأحداث بنتائجها، لا بحماس لحظتها...
من حق أي مواطن أن يرى ما جرى ثورة، ومن حق غيره أن يراه أزمة وطنية أو حربًا مركبة أو صراعًا دوليًا استُثمرت فيه المطالب الشعبية، هذه ليست قضية وطنية أو خيانة، بل قضية قراءة سياسية تختلف باختلاف المنهج والمعطيات...
أما أن يتحول الاختلاف في المصطلحات إلى سبب للسب والإلغاء والتشهير، كما حدث مع رشيد عساف، فذلك لا يبشر بثقافة ديمقراطية، بل يكشف أن بعضنا ما زال يؤمن بحرية الرأي... بشرط أن يكون الرأي مطابقًا لرأيه...
إن الأوطان لا تُبنى بالرواية الواحدة، ولا يكتب التاريخ فريق واحد، ولا تُصان الحرية بإسكات المخالفين، وستبقى سورية بحاجة إلى مساحة يتسع فيها النقاش للجميع، لأن الحقيقة التاريخية لا تتشكل بالصراخ، بل بالحوار، وبالوقائع، وبما تكشفه الأيام من نتائج ودروس.