
هرمز...
حين انقلبت الجغرافيا على طهران.
في الحروب الكبرى لا تُقاس الانتصارات بعدد الصواريخ أو المدن، بل بقدرة أحد الأطراف على تجريد خصمه من أهم عناصر قوته، ومن يقرأ مسار المواجهة مع إيران يدرك أن المعركة تجاوزت حدود الرد العسكري، لتصبح صراعاً على إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية التي استند إليها المشروع الإيراني طوال العقود الماضية...
لقد بنت طهران نفوذها على ثلاثة أعمدة:
- البرنامج النووي...
- وشبكة الحلفاء الإقليميين...
- والسيطرة على الجغرافيا البحرية... وفي القلب منها مضيق هرمز. ومع مرور الوقت، تحول المضيق إلى أهم أوراق الردع الإيرانية، حتى بدا أن مجرد التهديد بإغلاقه كفيل بإرباك العالم...
غير أن التاريخ الاستراتيجي يثبت أن الإفراط في التلويح بورقة القوة يحولها تدريجياً إلى هدف بحد ذاته، فالتهديد المستمر بحرية الملاحة منح الخصوم مبرراً للعمل على تحييد هذه الورقة، لا عبر احتلال إيران، بل عبر استهداف البنية العسكرية التي تمنحها القدرة على التحكم بالمجال البحري.
ومن هنا، تبدو المعركة أعمق من الملف النووي نفسه. فما يجري لا يقتصر على منع إيران من امتلاك قدرات نووية، بل يتصل بإعادة رسم ميزان القوى في الخليج وتجريدها من القدرة على استخدام الجغرافيا البحرية أداةً للضغط السياسي والاقتصادي والعسكري...
وإذا فقدت طهران هذه الميزة، فإنها لن تخسر مجرد شريط ساحلي أو موقعاً عسكرياً، بل ستفقد الركيزة التي منحتها نفوذاً إقليمياً طوال أكثر من أربعة عقود، فالمشروع الإيراني لم يقم على القوة العسكرية وحدها، بل على توظيف الجغرافيا في صناعة النفوذ.
وهنا تكمن المفارقة؛ فما اعتبرته إيران لعقود مصدر حصانتها الاستراتيجية قد يتحول إلى نقطة انكشافها الكبرى، فالجغرافيا لا تحمي أصحابها دائماً، بل قد تنقلب عليهم عندما ينجح الخصم في تحويل مصدر القوة إلى محور المعركة...
لذلك، لم يعد السؤال الحقيقي:
- هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟..
بل أصبح:
- هل تستطيع الاحتفاظ بهذه الورقة بعدما تحولت من وسيلة ردع إلى الهدف الأول للصراع؟..
فحين تصبح ورقة القوة نفسها ميدان المعركة، تكون قواعد اللعبة قد تبدلت، وتكون الجغرافيا قد بدأت تكتب فصلاً جديداً في تاريخ المنطقة.