عندما يصبح الصمت شريكاً في الجريمة... كلمة لا بد منها

Salah Kirata • ٢٧‏/٧‏/٢٠٢٦

61674.png


عندما يصبح الصمت شريكاً في الجريمة... كلمة لا بد منها

لست طائفياً... ولن أكون...

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

أنا إنسان قبل أن أكون عربياً، وعربي قبل أن أكون سورياً، وسوري قبل أن أكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، ومن باب أولى قبل أن أكون سنياً أو علوياً أو شيعياً أو درزياً أو إسماعيلياً.

هذه ليست عبارة إنشائية، بل قناعة راسخة حكمت حياتي كلها، وجعلتني أنظر إلى الإنسان بوصفه إنساناً، لا بوصفه ابن طائفة أو مذهب أو عرق.

وأذكر أنه في يوم من الأيام، وأنا على رأس عملي، وُجهت إليّ تهمة بأنني "شيوعي"، وعندما أبلغني رئيسي المباشر أنني مدعو إلى لجنة تحقيق، قال مبتسماً: "قلت لهم إنه شيوعي الهوى، لكنه بعثي المبادئ"...

وانتهى التحقيق إلى لا شيء، ليقول لي رئيس اللجنة مازحاً: 
"سنعتبرك ممثل الحزب الشيوعي داخل حزب البعث العربي الاشتراكي"

أروي هذه الحادثة لسبب واحد فقط: لأنني لم أكن يوماً أسيراً للتصنيفات الجاهزة، ولا أؤمن بأن الإنسان يمكن اختزاله في بطاقة حزبية أو مذهبية أو طائفية.

ويقول المثل الشعبي المصري:
 "يموت الزمّار وصوابعه بتلعب."

ولعل هذا المثل ينطبق عليّ، فبعد سنوات طويلة من العمل الأمني، بقي الحس الأمني يرافقني في قراءة الأحداث وتحليلها، ويجعلني أبحث دائماً عما وراء الظواهر، لا عند ظاهرها فقط...

ومن هنا أصل إلى ما أريد قوله...

كلما نشرت مقالاً أو تعليقاً أستنكر فيه جريمة تستهدف مدنيين أبرياء، ولا سيما النساء والأطفال، فوجئت بأن التفاعل يكون أقل من قليل، وكأن دماء الضحايا لم تعد تحرك الضمير العام كما ينبغي...

ولا أتوقف عند عدد الإعجابات أو التعليقات، بل أتوقف عند الدلالة...

فحين يصبح الصمت هو رد الفعل الغالب على قتل الأبرياء، فإننا أمام ظاهرة تستحق الدراسة، لأن اعتياد المجتمع على مشاهد الدم أخطر من الجريمة نفسها، فالجريمة تقتل الضحية مرة، أما الاعتياد عليها فيقتل ضمير المجتمع كله.

قد يكون بعض الناس صامتين خوفاً، أو يأساً، أو إحباطاً، أو لأن الاستقطاب السياسي والطائفي جعلهم يترددون في إدانة الجريمة إذا لم توافق أهواءهم. لكن النتيجة واحدة وهي: 
(إضعاف الصوت الأخلاقي الذي يجب أن يرتفع دفاعاً عن كل إنسان بريء).

وهنا تبرز مسؤولية الدولة قبل أي جهة أخرى:

إذ لا يكفي أن تلاحق المجرمين أمنياً، بل لا بد من معركة موازية في الإعلام، والثقافة، والتعليم، والخطاب الديني والوطني، لترسيخ حقيقة بسيطة لكنها جوهرية:
( أن دم المواطن السوري واحد، وأن الجريمة تبقى جريمة مهما كانت هوية الضحية أو الجاني )...

إن أي تساهل مع استهداف المدنيين، أو أي صمت عن إدانته، يمنح القتلة مساحة أوسع للاستمرار، ويهدد السلم الأهلي، ويزرع بذور الكراهية التي سيدفع الجميع ثمنها...

فسورية لا تُبنى بالثأر، ولا بالطائفية، ولا بتبرير الجرائم، بل تُبنى بالعدالة، وسيادة القانون، وحماية الإنسان.

وأخيراً:

- إذا كنا نختلف في السياسة، فهذا حق طبيعي...
- وإذا اختلفنا في الفكر، فهذا أمر صحي...
- أما إذا اختلفنا على حق الأطفال والنساء والمدنيين في الحياة، فهنا نكون قد خسرنا إنسانيتنا قبل أن نخسر وطننا...

أدين كل جريمة تستهدف بريئاً، أيّاً كان دينه أو مذهبه أو قوميته أو موقفه السياسي...
لأن الإنسان، في نهاية المطاف، هو القيمة الأعلى، والوطن لا يحيا إلا بإنسانية أبنائه.