زيلينسكي حين تتحول المؤامرة الاستراتيجية إلى استنزاف دولة

Salah Kirata • ٢٧‏/٧‏/٢٠٢٦

61672.png


زيلينسكي حين تتحول المؤامرة الاستراتيجية إلى استنزاف دولة :

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

منذ الأيام الأولى للحرب، راهن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن تحويل أوكرانيا إلى رأس حربة في مواجهة روسيا، بدعم سياسي وعسكري غربي واسع، سيؤدي إلى استنزاف موسكو وإضعاف قدرتها على مواصلة الحرب، وربما يفرض عليها في نهاية المطاف قبول تسوية بشروط كييف. إلا أن هذا الرهان، في نظر كثير من المحللين، حمل في طياته مخاطر استراتيجية كبيرة، لأن الحروب التي تُدار بدعم القوى الكبرى لا تسير دائمًا وفق حسابات الدولة التي تدور المعارك على أرضها...

عسكريًا، قامت هذه المقاربة على نقل الضغط إلى العمق الروسي عبر استهداف البنية اللوجستية، وخطوط الإمداد، والممرات الحيوية، بهدف رفع كلفة الحرب على موسكو، لكن العقيدة العسكرية للدول الكبرى تفترض أن المساس بالمصالح الاستراتيجية لا يؤدي بالضرورة إلى التراجع، بل قد يدفع إلى توسيع نطاق الرد وفرض قواعد اشتباك جديدة أكثر قسوة، بما يشمل استهداف البنية التحتية والقدرات الاقتصادية واللوجستية للطرف المقابل...

وهنا تكمن المعضلة؛ فكلما اتسعت دائرة الاستهداف، ازدادت احتمالات التصعيد، وتحولت الحرب من مواجهة عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية، ويصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة...

وفي سياق أوسع، أعتقد أن الولايات المتحدة وجدت في الحرب فرصة لاستنزاف القدرات الروسية، بينما تنظر إسرائيل إلى احتواء النفوذ الإيراني باعتباره أولوية استراتيجية في الشرق الأوسط، إلا أن اعتبار هذين المسارين جزءًا من خطة عملياتية واحدة يبقى ضمن دائرة التحليل السياسي، وليس حقيقة مثبتة بأدلة علنية قاطعة...

لقد أثبتت التجربة الأوكرانية أن أخطر ما قد تواجهه أي دولة هو الارتهان لحسابات القوى الكبرى، والاعتقاد بأن الحلفاء سيخوضون المعركة حتى نهايتها دفاعًا عنها، فالدول الكبرى تُدير الصراعات وفق مصالحها المتغيرة، أما الدولة التي تتحول إلى ساحة للمواجهة فهي غالبًا من يدفع الكلفة البشرية والاقتصادية والسيادية الأكبر...

ويبقى الدرس الأهم أن استقلال القرار الوطني ليس ترفًا سياسيًا، بل هو أساس الأمن القومي. فكلما تراجعت الأولوية للمصلحة الوطنية أمام حسابات الآخرين، ازدادت احتمالات الاستنزاف، وتآكلت السيادة، وتحولت الأوطان إلى ميادين لحروب لا يربح فيها أحد بقدر ما يخسر أصحاب الأرض.