
أزمة ثقة لا أزمة دبلوماسية:
لماذا يتأخر اندماج سورية في العالم؟
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
بعد سقوط نظام الأسد، اعتقد كثير من السوريين أن أحد أكبر الحواجز التي فصلت سورية عن العالم قد أُزيل، وأن البلاد ستدخل سريعاً مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، غير أن الواقع أثبت أن سقوط النظام السابق، على أهميته التاريخية، لم يكن وحده كافياً لإنهاء حالة العزلة أو تبديد المخاوف الإقليمية والدولية تجاه سوريا الجديدة...
ففي الوقت الذي حققت فيه الدبلوماسية السورية الحالية خطوات مهمة على طريق استعادة العلاقات الخارجية، بقيت هناك عقبة أساسية تفرض نفسها على طاولات القرار في كثير من العواصم، تتمثل في الخلفية الأيديولوجية للقوى التي شاركت هيئة تحرير من فصائل المعارضة المسلحة ذات الثقافة الجهادية لاسيما أنها بلا استثناء كانت مدرجة على قوائم الارهاب بدءا من هيئة تحرير الشام التي كان أبو محمد الجولاني قائدها ليصبح رئيسا للجمهورية العربية السورية لكن باسم احمد الشرع...
نعم رجالات هذه الفصائل هم من تولوا إدارة الدولة بعد مسرحية السقوط والصعود المريبان، فالجذور السلفية الجهادية لكافة مراكز النفوذ والقيادة لا تزال تثير تساؤلات وشكوكاً لدى دول عديدة، حتى بعد إعلان التحول نحو نهج سياسي أكثر براغماتية وواقعية...
عموماً:
المشكلة لا تكمن فقط في الماضي أو في التصنيفات السابقة، بل في قدرة الدولة الجديدة على إقناع الداخل والخارج بأن مشروعها السياسي هو مشروع دولة وطنية جامعة، لا مشروع فصيل أو تيار عقائدي يسعى إلى فرض رؤيته على المجتمع السوري بكل تنوعه، فالعالم لا ينظر إلى الشعارات بقدر ما ينظر إلى طبيعة المؤسسات التي تُبنى، وإلى السلوك السياسي الذي يتجسد على أرض الواقع...
وهنا:
تبرز معضلة المقاتلين الأجانب بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً وإحراجاً للدبلوماسية السورية، فهؤلاء الذين قدموا إلى سوريا خلال سنوات الحرب بدافع الانتماء العقائدي و القتال لنصرة الدين، دون أي بعد انساني وكذا بلا أي أفق سياسي، تحول وجودهم بعد سقوط الأسد إلى عبء سياسي وأمني ثقيل، فالدول المجاورة والغربية تنظر إلى هذه المجموعات باعتبارها مصدر قلق وخطر دائمان، وتخشى بذات الوقت أن تتحول سورية إلى نقطة انطلاق لتنظيمات عابرة للحدود أو إلى ملاذ آمن لأفكار متشددة قد تهدد أمنها الداخلي...
ولا يقتصر القلق على الخارج وحده، بل يمتد إلى الداخل السوري أيضاً، فشريحة واسعة من السوريين ترى أن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يكتمل بوجود تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية، ولا بوجود قوى تحمل ولاءات فكرية أو تنظيمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية...
لذلك:
فإن أي مشروع حقيقي للاستقرار يمر أولاً:
عبر احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني والعسكري دون شريك أو منافس...
لاسيما:
أن الأحداث الدامية التي شهدتها بعض المناطق السورية خلال المرحلة الانتقالية من حجم التحديات التي تواجه السلطة الجديدة، فمهما كانت مسؤولية الدولة المباشرة عن تلك الأحداث، فإن صورة سورية الخارجية تأثرت سلباً، وعادت الأسئلة المتعلقة بحماية الأقليات وسيادة القانون وقدرة الدولة على ضبط جميع القوى المسلحة العاملة على الأرض، وفي عالم تحكمه المصالح والحسابات الأمنية، لا تحتاج الشكوك إلى أدلة قاطعة كي تتحول إلى سياسات حذرة ومواقف مترددة...
ورغم ذلك:
لا يمكن تجاهل الجهود التي بذلتها الحكومة الانتقالية منذ توليها الحكم، بحكم الغلبة لا الدستور وبحكم الانتصار المفترض لا التفويض الشعبي إلا أنها سعت إلى تقديم نفسها شريكاً في مكافحة الإرهاب، وعملت على بناء قنوات تواصل مع القوى الإقليمية والدولية، وأظهرت استعداداً للتعاون مع المؤسسات الدولية والانفتاح على محيطها العربي، كما حاولت تأكيد أن أولوياتها تتعلق بإعادة بناء الدولة واستعادة الاقتصاد وإطلاق مسار الاستقرار، لا بتصدير الأيديولوجيا أو خوض صراعات عابرة للحدود...
لكن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرة السلطة على ترجمة الخطاب إلى سياسات عملية ومؤسسات دائمة، فالعالم لا يحكم على الدول من خلال التصريحات، بل من خلال الوقائع والإجراءات والنتائج، وكلما تأخر الحسم في الملفات الحساسة، بقيت الشكوك قائمة، وبقيت عملية الاندماج الكامل في المجتمع الدولي بطيئة ومكلفة...
لذا:
فإن الأزمة التي تواجهها سورية اليوم ليست أزمة دبلوماسية بالمعنى التقليدي، بل أزمة ثقة سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، فالدبلوماسية ليست هي العقبة، وإنما هي المتضرر الأول من عقبات أعمق تتعلق بطبيعة الدولة التي تتشكل، وشكل النظام السياسي الذي يتبلور، ومدى قدرة السلطة على إثبات استقلال قرارها عن أي اعتبارات أيديولوجية أو فصائلية...
وعليه:
فإن مستقبل سورية لن يتحدد فقط بقدرتها على تحسين علاقاتها الخارجية، بل بقدرتها على بناء عقد وطني جديد يشعر فيه جميع السوريين بأنهم شركاء متساوون في الوطن والدولة، فحين تنجح الدولة في ترسيخ سيادة القانون، وحماية جميع المكونات، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتقديم نموذج حكم يقوم على المواطنة والكفاءة والتعددية، فإن أبواب العالم ستفتح أمامها بصورة طبيعية...
ومن هنا:
فإن الخروج من هذا المأزق يتطلب خطوات جريئة وواضحة لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمة هذه الخطوات حصر السلاح بيد الدولة دون استثناء، وإنهاء ملف المقاتلين الأجانب وفق آليات قانونية وسياسية واضحة، وتوسيع المشاركة الوطنية لتشمل جميع المكونات السورية، وإعادة بناء المؤسسة الدبلوماسية على أساس الكفاءة والخبرة المهنية، وتعزيز استقلال القضاء ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات مهما كانت مواقعهم. كما يتطلب الأمر إطلاق مشروع اقتصادي وإداري شامل يعيد الثقة للمواطن قبل أن يعيدها للعالم...
فالدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على بناء المؤسسات وصناعة الاستقرار، وسورية اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة؛ إما أن تتحول إلى دولة وطنية حديثة تستعيد مكانتها ودورها، وإما أن تبقى أسيرة إرث الصراع ومخاوف الماضي...
باختصار:
"بطريقة ما تم إسقاط النظام السابق الذي كان يمثل أحد أكبر أسباب عزلة سورية، لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في إسقاط الماضي فحسب، بل في بناء دولة تجعل العالم يثق بالمستقبل".