باب المندب... عندما تتحول الممرات البحرية إلى ساحة اختبار للإرادات الدولية

Salah Kirata • ١٦‏/٧‏/٢٠٢٦

57294.png

باب المندب...
 عندما تتحول الممرات البحرية إلى ساحة اختبار للإرادات الدولية:

لم يعد باب المندب مجرد مضيق بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن، بل بات عنواناً لواحدة من أخطر معادلات الصراع في الشرق الأوسط،فما يجري اليوم لم يعد يقتصر على مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبح صراعاً على حرية الملاحة، وأمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي، في منطقة يمر عبرها جزء مهم من تجارة العالم ونسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا وآسيا...

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التهديدات الإيرانية باستخدام الحوثيين كورقة ضغط في باب المندب باعتبارها مجرد تصعيد إعلامي أو تكتيك عسكري محدود، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تقوم على توسيع ساحات الاشتباك ونقل كلفة المواجهة إلى المجتمع الدولي بأسره، فطهران تدرك أن استهدافها داخل أراضيها لم يعد يحقق الردع المطلوب، لذلك تسعى إلى جعل أي ضغط عسكري أو اقتصادي عليها مكلفاً للعالم بأسره، عبر تهديد أحد أهم الشرايين البحرية الدولية...

إنها سياسة تقوم على مبدأ "تدويل كلفة الحرب"، فبدلاً من أن تبقى المواجهة محصورة بين واشنطن وطهران، يصبح الاقتصاد العالمي طرفاً فيها، وتتحول شركات الملاحة وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد إلى أدوات ضغط غير مباشرة على صناع القرار في العواصم الكبرى...

ولتحقيق هذه الغاية، تمتلك جماعة الحوثي قدرات عسكرية متطورة نسبياً، تشمل صواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة، وزوارق مسيرة وألغاماً بحرية، أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وحتى إن لم تتمكن من إغلاق المضيق بالكامل، فإن مجرد رفع مستوى المخاطر يكفي لإرباك حركة التجارة العالمية، وزيادة أقساط التأمين، وارتفاع كلفة الشحن، واضطرار كثير من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يعنيه ذلك من تأخير في وصول البضائع وارتفاع أسعارها عالمياً...

ولعل أخطر ما في هذه المعادلة هو أن باب المندب لا يمثل ممراً بحرياً عادياً، بل يشكل مع قناة السويس شرياناً اقتصادياً حيوياً يربط الشرق بالغرب، لذا فإن أي اضطراب طويل الأمد فيه ستكون له انعكاسات مباشرة على التجارة الأوروبية، وأسواق الطاقة الآسيوية، ومعدلات التضخم العالمية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الدولي يعاني آثار الأزمات المتلاحقة منذ جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا...

أما من الناحية القانونية، فإن حرية الملاحة في المضائق الدولية تُعد من المبادئ الراسخة في القانون الدولي للبحار، ويُنظر إلى أي محاولة لتعطيلها بوصفها تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وهو ما يمنح القوى البحرية الكبرى غطاءً سياسياً وقانونياً للتحرك، سواء بصورة منفردة أو ضمن تحالفات دولية، لضمان استمرار انسياب التجارة العالمية...

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأمريكي على منع تحول باب المندب إلى ورقة مساومة، فواشنطن لا تدافع عن مصالحها فحسب، بل عن نظام الملاحة الدولي الذي يشكل أحد أعمدة النفوذ الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولذلك فإنها ستواصل تعزيز وجودها البحري والجوي والاستخباراتي في البحر الأحمر، مع توجيه ضربات دقيقة ضد أي قدرات تهدد السفن أو تعطل حركة الملاحة، بالتوازي مع حرب إلكترونية واستخباراتية تستهدف شبكات القيادة والسيطرة والإمداد...

غير أن الصورة لا تقتصر على الولايات المتحدة وإيران وحدهما، فالصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد بصورة كبيرة على هذا الممر، وكذلك الهند واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي. لذلك فإن أي تصعيد واسع لن يمس واشنطن وحدها، بل سيصيب مصالح معظم القوى الاقتصادية الكبرى، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر، وحرص العديد من الدول على المشاركة في حماية خطوط الملاحة...

ورغم ارتفاع منسوب التوتر، فإن الحسابات الاستراتيجية للطرفين تشير إلى أن كلاً من واشنطن وطهران يدرك حدود القوة وحدود المخاطرة، فالولايات المتحدة لا ترغب في الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة تستنزف مواردها، وإيران تعلم أن مواجهة عسكرية مباشرة قد تعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لضربات قاسية، وربما تهدد استقرار النظام نفسه. لذلك يبقى التصعيد المحسوب هو الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية...

قراءتي الاستشرافية وفيها ماذا بعد؟ :

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار سياسة "الضغط المتبادل"، بمعنى ستواصل جماعة الحوثي تنفيذ هجمات متقطعة على أهداف بحرية أو عسكرية، بينما ترد الولايات المتحدة بضربات دقيقة تستهدف منصات الإطلاق ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة، مع الحرص على إبقاء المواجهة تحت سقف يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة...

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في حرب استنزاف طويلة تستخدم فيها إيران تهديد الملاحة كورقة تفاوض لتحسين شروطها السياسية والاقتصادية، في مقابل استمرار العقوبات والضغوط الغربية، دون أن يحقق أي طرف انتصاراً حاسماً...

ويبقى السيناريو الأخطر هو وقوع خطأ استراتيجي في الحسابات؛ كإغراق سفينة تجارية كبرى، أو استهداف قطعة بحرية أمريكية بخسائر كبيرة، أو تعطيل الملاحة في باب المندب لفترة مؤثرة، عندها قد تنتقل الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية كسر القدرات العسكرية الإيرانية ووكلائها، عبر عمليات واسعة تستهدف البنية العسكرية وشبكات القيادة والإمداد، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع رقعة المواجهة لتشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن وربما الخليج العربي، لتدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار...

ومع ذلك، يبقى هناك احتمال لا ينبغي تجاهله، وهو أن تنجح الوساطات الإقليمية والدولية في فرض تفاهمات غير معلنة تخفض مستوى التصعيد، خصوصاً إذا أدركت جميع الأطراف أن كلفة الحرب الشاملة ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية أو عسكرية يمكن تحقيقها...

الخلاصة:
 أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور حول باب المندب وحده، بل حول من يملك القدرة على رسم قواعد النظام الإقليمي الجديد. فإيران تحاول إثبات أن نفوذها يمنحها القدرة على تهديد المصالح العالمية متى تعرضت للضغط، بينما تصر الولايات المتحدة على أن حرية الملاحة تمثل خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه، وبين هاتين الإرادتين يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة دقيقة، ستكون فيها كل طلقة، وكل صاروخ، وكل سفينة تعبر المضيق، جزءاً من معركة أكبر عنوانها إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة والعالم.