
إعصار الممرات والعمائم...
عندما تكتب الصواريخ خرائط الشرق الأوسط الجديد:
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها بمكالمة هاتفية بين العواصم الكبرى، ولا نزاعاً محدوداً تُطفئه وساطة إقليمية أو اجتماع طارئ في مجلس الأمن. لقد تجاوزت المنطقة تلك المرحلة، ودخلت زمناً جديداً تتراجع فيه الدبلوماسية إلى مقاعد المتفرجين، بينما تتصدر الصواريخ والطائرات المسيّرة وحاملات الطائرات والفتاوى السياسية مشهد صناعة التاريخ...
إننا أمام لحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط لا على طاولات التفاوض، بل فوق خرائط النار، فما يجري اليوم ليس مجرد تبادل للضربات، بل صراع على هوية الإقليم، وعلى خطوط الطاقة، والممرات البحرية، وموازين الردع، وموقع كل دولة في النظام الإقليمي الذي يتشكل تحت هدير المدافع...
للعلم :
فإنه في الحروب التقليدية تبقى السياسة هي التي تقود الجيوش، أما حين تصبح العقيدة الدينية جزءاً من القرار العسكري، فإن قواعد الاشتباك تتغير جذرياً، فكلما ارتفع منسوب الخطاب العقائدي داخل إيران، تقلصت مساحة المناورة أمام دعاة التهدئة، وأصبح الصراع يُقدَّم باعتباره معركة وجود لا تقبل أنصاف الحلول، عندها تتراجع لغة المصالح الاقتصادية أمام منطق الصمود، وتتحول الخسائر إلى "أثمان واجبة"، بينما تصبح التسوية السياسية أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى سلام دائم...
وهذا التحول لا يقتصر على الداخل الإيراني، بل ينعكس على كامل الإقليم، لأن العقائد عندما تدخل ساحات القتال تجعل حسابات الربح والخسارة أكثر تعقيداً وأشد خطورة...
عموماً:
لطالما اعتقدت القوى الدولية أن بإمكانها إيجاد بدائل تقلل من أهمية مضيق هرمز، لكن الأحداث المتسارعة أثبتت أن الجغرافيا لا تعترف بالأمن المفترض، وأن خطوط الطاقة يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى رهائن للحرب...
لذا:
فإن أي اضطراب يصيب الموانئ أو خطوط الملاحة أو منشآت التصدير لا يهدد اقتصاد دولة بعينها، بل يصيب قلب الاقتصاد العالمي، فأسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، كلها أصبحت مرتبطة بقرار عسكري قد يصدر في لحظة توتر واحدة...
ولذلك:
فإن معركة الممرات البحرية لم تعد قضية إقليمية، بل أصبحت معركة تمس الأمن الاقتصادي العالمي بأسره...
في المقابل:
تبدو واشنطن حريصة على تحقيق معادلة شديدة التعقيد، من خلال إضعاف خصومها، ومنعهم من توسيع نفوذهم، دون الانزلاق إلى حرب شاملة تستنزفها كما استنزفتها حروب العقود الماضية...
ومن هنا:
تبدو سياسة الضغط المركب هي الخيار الأكثر ترجيحاً؛ عقوبات اقتصادية، وضغوط استخباراتية، وحضور عسكري متقدم، واستثمار للساحات الإقليمية المفتوحة، من الخليج إلى سوريا ولبنان، لإبقاء الخصوم في حالة استنزاف دائم...
إنها ليست استراتيجية الحسم، بل استراتيجية إنهاك الخصم حتى يصبح أكثر استعداداً للقبول بشروط جديدة...
أما إسرائيل، فهي تدرك أن أي حرب واسعة لن تكون شبيهة بالحروب التي خاضتها في العقود السابقة. فقد تغيرت طبيعة الميدان، وتطورت قدرات خصومها، وأصبحت الجبهة الداخلية جزءاً أساسياً من المعركة...
ولهذا:
فإن أي قرار بتوسيع العمليات العسكرية سيحمل في طياته مخاطر غير مسبوقة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كون الحروب الحديثة لا تُقاس بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرة المجتمعات على احتمال الاستنزاف الطويل، وبقدرة الاقتصادات على الصمود أمام الضربات المتبادلة...
اخيرا :
إلى أين هي وجهة الصراع وماذا تخبئه للعالم الايام القادمة...
السيناريو الأول:
يتمثل في انفجار إقليمي واسع، إذا تجاوز أي طرف الخطوط الحمراء باستهداف مراكز استراتيجية أو منشآت سيادية، الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الخليج لتشمل أكثر من جبهة في وقت واحد...
أما السيناريو الثاني:
فهو استمرار حرب الاستنزاف، حيث تبقى الضربات المتبادلة تحت سقف يمنع الانفجار الكبير، لكنه يستهلك الجميع ببطء، ويستنزف الاقتصادات، ويعمق الانقسامات، ويزيد من هشاشة الاستقرار...
ويبقى السيناريو الثالث:
وهو الأكثر تعقيداً، أن تصل جميع الأطراف إلى قناعة بأن كلفة الحرب الشاملة أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها، فتُفرض تسوية مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، لكنها تؤجل الانفجار إلى موعد آخر...
إلا أن ما يجري اليوم ليس نهاية أزمة، بل بداية مرحلة تاريخية جديدة، فالتحالفات القديمة تهتز، وموازين القوى يعاد اختبارها، والمفاهيم التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة لم تعد قادرة على تفسير الواقع الجديد...
لقد دخل الشرق الأوسط عصر "توازن الرعب الإقليمي"، حيث لم يعد أي طرف يمتلك القدرة على الانتصار الكامل، لكنه في الوقت نفسه يملك القدرة على إلحاق خسائر جسيمة بخصومه، وهو ما يجعل الجميع يعيشون فوق حافة الهاوية...
اخيراً:
أعتقد أن الأشهر المقبلة ستشهد سباقاً بين مسارين متناقضين:
- مسار القوة الذي يسعى إلى فرض وقائع جديدة بالنار...
- ومسار السياسة الذي سيحاول التقاط اللحظة قبل انهيارها الكامل...
غير أن التجربة التاريخية تعلمنا أن السياسة لا تتحرك إلا عندما تبلغ الحرب حدودها القصوى...
ولذلك، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق غير مسبوق. فإذا نجحت القوى الكبرى في احتواء التصعيد، فقد نشهد ولادة ترتيبات أمنية جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ لعقد أو أكثر. أما إذا استمرت الحسابات الخاطئة، وغلب منطق الانتقام على منطق العقل، فإن المنطقة قد تدخل حرباً لن تكون كسابقاتها، لأن الخاسر فيها لن يكون دولة بعينها، بل النظام الإقليمي بأكمله...
إن ما يُكتب اليوم ليس مجرد فصل جديد في تاريخ الصراعات، بل قد يكون الفصل الأول في كتاب شرق أوسط مختلف، تُرسم حدوده بموازين القوة، وتُحدد معالمه بقدرة الشعوب والدول على النجاة من أكبر اختبار جيوسياسي عرفته المنطقة منذ عقود.