
حين انتصرت السياسة في مدرجات الكرة...
لماذا بدا انتصار إسبانيا انتصارًا لكثير من العرب؟.
لم يكن فوز المنتخب الإسباني بكأس العالم بالنسبة لقطاع واسع من العرب مجرد تتويج رياضي، بل تحول إلى حدث سياسي بامتياز. فمع إطلاق صافرة النهاية، لم تكن الفرحة التي عمّت منصات التواصل الاجتماعي والمجالس العربية نابعة فقط من جمال الأداء الإسباني أو استحقاقه للقب، بل من شعور بأن نتيجة المباراة حملت، في نظر كثيرين، دلالات تتجاوز المستطيل الأخضر إلى ساحات السياسة والصراع الدولي...
لقد أثبتت ليلة الأمس، مرة أخرى، أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، وأنها، في لحظات تاريخية معينة، تتحول إلى لغة تعبر بها الشعوب عن مواقفها السياسية بقدر ما تعبر عن شغفها الرياضي. وما حدث في الشارع العربي كان نموذجًا واضحًا على هذا التداخل بين السياسة والرياضة...
وفي مقدمة الأسباب التي فسرت هذا المشهد، برزت القضية الفلسطينية باعتبارها البوصلة السياسية والوجدانية لقطاع واسع من الرأي العام العربي، فمنذ اندلاع الحرب على غزة، تشكلت لدى كثيرين قناعة بأن مواقف الدول من فلسطين أصبحت معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا ينعكس حتى على نظرتهم إلى الأحداث الرياضية...
ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن يحظى المنتخب الإسباني بهذا القدر من التعاطف، فقد ارتبط اسم إسبانيا، في الوعي العربي، بمواقف سياسية اعتُبرت أكثر قربًا من العدالة تجاه القضية الفلسطينية، سواء من خلال اعترافها بدولة فلسطين، أو عبر مواقف حكومتها المنتقدة للحرب على غزة، أو من خلال الحراك الشعبي الواسع داخل المدن الإسبانية تضامنًا مع الفلسطينيين. هذه الصورة الإيجابية منحت المنتخب الإسباني، في نظر كثير من العرب، بعدًا رمزيًا تجاوز قيمته الرياضية...
وفي المقابل، جاءت صورة الطرف الآخر محملة بحسابات سياسية مختلفة، فالدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل، وما رافقه من انحياز واضح خلال الحرب على غزة، إضافة إلى التقارب السياسي الذي أظهرته الحكومة الأرجنتينية الحالية مع إسرائيل، دفع شريحة واسعة من الجماهير العربية إلى قراءة المباراة من زاوية سياسية، لا من زاوية فنية فحسب. ولم يعد السؤال عند هؤلاء: - من يلعب كرة أجمل؟..
بل:
- ماذا تمثل كل دولة في هذا الظرف التاريخي؟..
كما لا يمكن فصل هذا المزاج الشعبي عن حالة الاستقطاب الإقليمي والدولي، في ظل المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة ألقت بظلالها على مجمل المشهد السياسي في المنطقة. ورغم أن المباراة لم تكن طرفًا في هذا الصراع، فإنها، بالنسبة لكثيرين، أصبحت مناسبة للتعبير الرمزي عن المواقف والاصطفافات التي فرضتها التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط...
لهذا، لم تكن فرحة كثير من العرب بفوز إسبانيا مجرد فرحة بهدف أو بكأس، بل كانت، في جانب كبير منها، تعبيرًا عن موقف سياسي، ورسالة وجدانية تعكس تمسكهم بالقضية الفلسطينية ورفضهم للسياسات التي يرون أنها أسهمت في معاناة الشعب الفلسطيني. وهكذا، تحولت مباراة كرة القدم إلى مساحة عبّر فيها الشارع العربي عن مشاعره بلغة الهتاف الرياضي، فيما كانت السياسة هي الحاضر الأكبر خلف المشهد...
لقد أكدت ليلة الأمس حقيقة طالما أثبتها التاريخ:
أن الرياضة قد تكون محايدة في قوانينها، لكنها ليست دائمًا محايدة في وجدان الشعوب، فعندما تتقاطع كرة القدم مع القضايا المصيرية، تصبح الكأس أكثر من لقب، والانتصار أكثر من نتيجة، والهتاف أكثر من تشجيع...
ولعل هذا هو الدرس الأبرز الذي حمله نهائي كأس العالم؛ فالجماهير العربية، وهي تحتفل بفوز إسبانيا، لم تكن تحتفل بإسبانيا وحدها، بل كانت تعبر، بطريقتها الخاصة، عن انحيازها لقضية ما تزال تراها قضيتها المركزية، وعن قناعة راسخة بأن السياسة، مهما حاولت الابتعاد عن الملاعب، تجد دائمًا طريقها إلى المدرجات، ومنها إلى قلوب الجماهير.