
بين الرياض وطهران...
لماذا تبدو باكستان أقرب إلى سياسة الاحتواء منها إلى خيار الحرب؟:
ليست القوة العسكرية وحدها هي التي تحدد قرارات الدول، بل شبكة المصالح التي تحيط بها، وحجم الخسائر التي قد تترتب على أي مغامرة. ومن هذه الزاوية، تبدو باكستان اليوم نموذجاً لدولة تمتلك جيشاً قوياً وسلاحاً نووياً، لكنها تدرك أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها...
صحيح أن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي الموقعة مع المملكة العربية السعودية رفعت مستوى الالتزام السياسي والعسكري بين البلدين، إلا أن هذه الاتفاقية لا تلغي حقيقة ثابتة في الجغرافيا السياسية؛ فإيران ليست دولة بعيدة عن باكستان، بل هي جار مباشر يمتد معه شريط حدودي طويل في إقليم بلوشستان، وهو إقليم يعاني أصلاً من هشاشة أمنية ونشاط جماعات مسلحة، وأي مواجهة عسكرية واسعة قد تنقل النار سريعاً إلى الداخل الباكستاني، وهو آخر ما تحتاج إليه إسلام آباد في ظل تحدياتها الاقتصادية والسياسية...
ثم إن صانع القرار الباكستاني يدرك أن الدخول في حرب مع إيران لن يكون مجرد تنفيذ لالتزام سياسي، بل سيعني إعادة رسم موقع باكستان بالكامل داخل التوازنات الإقليمية، وربما فتح جبهات جديدة هي في غنى عنها، سواء مع الهند أو على مستوى أمن الطاقة والتجارة...
ولا يمكن تجاهل العامل الصيني في هذه المعادلة، فالصين ليست مجرد مستثمر في الاقتصاد الباكستاني، بل شريك استراتيجي ينظر إلى الاستقرار الممتد من الخليج إلى بحر العرب باعتباره جزءاً من أمن مبادرة "الحزام والطريق"، ومن مصلحة بكين أن تبقى قنواتها مفتوحة مع الرياض وطهران معاً، لا أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب تعطل طرق التجارة والاستثمار...
ومن هنا، تبدو السياسة الباكستانية أقرب إلى إدارة التوازنات منها إلى الانحياز المطلق، فهي حريصة على طمأنة حلفائها الخليجيين، وفي الوقت نفسه تتجنب قطع الجسور مع إيران، وتترك دائماً مساحة للدبلوماسية والوساطات السياسية...
لهذا، فإن الحديث عن اندفاع باكستان إلى حرب مباشرة ضد إيران يبدو أقرب إلى المبالغة منه إلى القراءة الواقعية، فالقيادة الباكستانية تعلم أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي بالضرورة وفق الحسابات التي رُسمت لها، كما تدرك أن الانتصار العسكري، إن تحقق، قد لا يعوض الخسائر الاقتصادية والأمنية التي ستطال الدولة والمجتمع...
لهذا السبب، ستواصل إسلام آباد على الأرجح الجمع بين أمرين متوازيين: - الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه السعودية ضمن الحدود التي تفرضها الاتفاقيات والظروف...
- والعمل في الوقت نفسه على منع تحول الأزمة مع إيران إلى مواجهة إقليمية مفتوحة...
فالدول التي تقف على خطوط التماس لا تملك ترف الشعارات، بل تحكمها حسابات البقاء قبل حسابات الاستعراض...
وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، يبقى الدرس الأهم أن الدول لا تخوض الحروب لأنها تستطيع، بل لأنها ترى أن كلفة الامتناع عنها أعلى من كلفة خوضها، وحتى الآن، لا تبدو باكستان مقتنعة بأن حرباً مع إيران تحقق لها هذا الشرط.