--:--
وزير الدفاع الإسرائيلي يهدد الضاحية الجنوبية لبيروت: أي استهداف للشمال سيقابله رد على لبنان الجيش الإسرائيلي: نستعد لعدة أيام من القتال مع إيران وسط تصعيد متبادل سقوط أجزاء من بعض الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران تجاه إسرائيل، في أراض زراعية في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا #ألبوم

بين التصعيد والارتباك: إسرائيل أمام غياب البوصلة الاستراتيجية في مواجهة تعدد الجبهات

Salah Kirata • ٨‏/٦‏/٢٠٢٦

44935.png


بين التصعيد والارتباك: إسرائيل أمام غياب البوصلة الاستراتيجية في مواجهة تعدد الجبهات...

تُظهر موجة التصريحات الصادرة خلال الساعات الأخيرة عن وزراء وأعضاء كنيست وقادة عسكريين سابقين وخبراء أمنيين في إسرائيل مشهداً سياسياً وأمنياً أقرب إلى حالة “الضجيج الاستراتيجي” منه إلى كونه نقاشاً داخل منظومة تمتلك رؤية موحدة للحرب وحدودها وأهدافها.
فبدلاً من بلورة اتجاه واضح لما بعد تصاعد التوتر مع إيران، تكشف هذه التصريحات عن تباين عميق في تعريف “الردع” و”النصر”، بل وحتى في تحديد طبيعة العدو وساحة المواجهة وحدود استخدام القوة.
في أحد الاتجاهات، يذهب بعض صناع القرار إلى أقصى درجات التصعيد، حيث دعا عضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست عميت هليفي إلى توسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية المدنية والاقتصادية في إيران ولبنان، من موانئ ومصافي نفط ومصانع ووزارات ووسائل إعلام، بل وحتى مؤسسات تعليمية ودينية. هذا الطرح يعكس انتقالاً من منطق الاستهداف العسكري التقليدي إلى تصور أقرب إلى “تفكيك الدولة” كأداة ردع.
وفي السياق ذاته، يطالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بردود عقابية جماعية عبر استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل كل هجوم إيراني، بينما تتبنى تالي غوتليب خطاباً أكثر حدّة يدعو إلى مهاجمة إيران “بلا رحمة”. هنا يظهر خطاب سياسي يميل إلى الانفعال أكثر من الحسابات الاستراتيجية، حيث تتحول المعادلة إلى رد فعل متبادل مفتوح النهاية.
في المقابل، يحاول بعض الوزراء تقديم غطاء سياسي لهذا النهج عبر خطاب “القوة الضرورية”، كما عبّر وزير الثقافة ميكي زوهار الذي اعتبر أن الضربات الإسرائيلية تمثل رسالة في “منطقة لا تفهم إلا لغة القوة”، في تبرير يعكس تمسكاً بمنطق الردع الصلب حتى لو كان مكلفاً على المدى البعيد.
لكن هذا الاتجاه لا يمر دون اعتراض داخلي حاد. فالمعارضة السياسية والعسكرية السابقة تقدم قراءة مختلفة تماماً. أفيغدور ليبرمان يرى أن الحكومة تستخدم التصعيد للهروب من مسؤولية السابع من أكتوبر، عبر الدفع نحو معارك سياسية داخلية أكثر من كونها استراتيجية أمنية. أما غادي أيزنكوت، فيذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن غياب الاستراتيجية أصبح بحد ذاته “استراتيجية أمر واقع”، في إشارة إلى حالة التشتت في إدارة تعدد الجبهات.
ويضيف موسي راز بعبارة مكثفة لكنها دالة: كل صاروخ يُطلق على إسرائيل هو دليل إضافي على فشل سياسة القوة المطلقة، في إشارة إلى أن الردع لم يعد ينتج استقراراً بل دورة ردود متكررة بلا نهاية واضحة.
على المستوى العسكري-الأمني، تظهر أيضاً مقاربات أكثر بروداً في التحليل. العميد احتياط إيفي إيتام يتحدث عن “استراتيجية هجينة” تجمع بين تفاوض أمريكي-إيراني مستمر من جهة، وعمل عسكري إسرائيلي من جهة أخرى، ما يخلق حالة تناقض استراتيجي لا يمكن ضبطه بسهولة، ويضع إسرائيل في موقع من يتحرك ضمن هامش محدود لا يملك فيه السيطرة الكاملة على الإيقاع السياسي العام.
أما اللواء احتياط عاموس غلعاد، فيلخص المأزق بشكل أكثر صراحة حين يشير إلى الفجوة بين الوعود السياسية والواقع العملياتي: حماس ما تزال في غزة، حزب الله يحتفظ بقدراته، وإيران تواصل دعم شبكاتها الإقليمية. أي أن “الإنجازات المعلنة” لم تتحول إلى تغيير بنيوي في ميزان القوى.
من مجمل هذه المواقف، لا يظهر خلاف تكتيكي بسيط، بل انقسام في الرؤية الاستراتيجية نفسها:
هل الهدف هو الردع عبر التصعيد المفتوح وتوسيع بنك الأهداف؟
أم إدارة صراع طويل متعدد الجبهات ضمن سقف سياسي دولي وضغوط إقليمية؟
أم محاولة احتواء التهديد عبر مزيج غير متوازن من القوة والدبلوماسية؟
المشكلة الجوهرية أن هذه الخيارات تُطرح بالتوازي، دون أن تملك إسرائيل حتى الآن إطاراً موحداً يحدد أولوياتها وحدود استخدامها للقوة في بيئة إقليمية شديدة التشابك.
الخلاصة:
ما تكشفه هذه الحالة ليس مجرد اختلاف سياسي داخلي، بل أزمة في “العقيدة الاستراتيجية” نفسها. فإسرائيل تبدو عالقة بين ثلاثة مسارات متناقضة: تصعيد شامل بلا سقف واضح، إدارة صراع طويل بلا حسم، أو انتظار نتائج دبلوماسية لا تتحكم بها بالكامل.
وفي مثل هذا السياق، يصبح الخطر الأكبر ليس فقط في الجبهة المقابلة، بل في فقدان القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية قابلة للاستدامة. فالقوة حين تُستخدم بلا إطار استراتيجي موحد، تتحول من أداة ردع إلى عامل استنزاف مفتوح، وهو ما يبدو أن المشهد الإسرائيلي الحالي يقترب منه أكثر مما يبتعد عنه.