
بين التصعيد والهدوء: هل نحن أمام نهاية زمن الحروب أم ولادة شكل جديد منها؟
رغم التصعيد العسكري الأخير وتبادل الرسائل النارية بين إيران وإسرائيل، وما قد يترتب عليه من احتمال اتساع دائرة المواجهة لتشمل أطرافاً أخرى، خصوصاً إذا وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتدخل تحت عنوان حماية أمن إسرائيل، فإن المشهد الإقليمي لا يبدو مجرد انزلاق نحو حرب مفتوحة بقدر ما هو اختبار أخير لحدود القوة ومجالات التفاهم.
ما يجري اليوم قد لا يكون بداية حروب كبرى بقدر ما هو ذروة مسار طويل من الاشتباك، وصل إلى مرحلة الإرهاق السياسي والعسكري لدى مختلف الأطراف. فالأهداف الميدانية باتت محدودة، وخطوط التماس لم تعد تنتج مكاسب استراتيجية واضحة، فيما تتقاطع في الكواليس إشارات تفاهم غير مباشر بين واشنطن وطهران، تقلّص من هوة الخلاف أكثر مما توسّعها.
في هذا السياق، يبقى لبنان في قلب التجاذب الإقليمي، لا بوصفه ساحة مستقلة، بل كمرآة لتوازنات الخارج. فموقعه الداخلي شديد الحساسية يجعله متأثراً بأي تغيير في قواعد الاشتباك بين القوى الكبرى والإقليمية، وهو ما ينعكس مباشرة على حدّة الخطاب السياسي المتصاعد داخله، وعلى محاولات إعادة رسم حدود الدور والنفوذ.
التسارع في ردود الفعل الإيرانية، وما قابله من مواقف دولية أكثر حدة تجاه دور طهران في ساحات متعددة، لا يمكن فصله عن مناخ الضغوط المتبادلة ومحاولة كل طرف تحسين شروطه قبل أي تسوية محتملة. كما أن الإشارات الغربية التي تتحدث عن إمكانية فصل المسارات بين الملفات الإقليمية تعكس توجهاً عملياً لإدارة النزاع بدل الذهاب نحو انفجاره الكامل.
وفي المقابل، تبدو بعض العواصم العربية والأوروبية منخرطة في مسار موازٍ يهدف إلى تثبيت الاستقرار في لبنان، عبر بلورة صيغة سياسية جديدة تستفيد من إرث التفاهمات السابقة، مع تحديثها بما يتناسب مع التحولات الراهنة في ميزان القوى.
ما نراه اليوم قد يكون مرحلة انتقالية دقيقة: لا هي حرب شاملة مفتوحة، ولا هي سلام مكتمل الشروط. بل هي لحظة إعادة تموضع إقليمي، تُختبر فيها حدود القوة، وتُرسم فيها ملامح تسويات قادمة قد تغيّر شكل المنطقة، لا جوهر تناقضاتها.