
بين مديح ترامب وامتحان السيادة السورية؟!.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
عندما يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن سورية "تُبلي بلاءً حسناً في تصحيح مسارها"، وإن لديها "قائداً جيداً جداً" حقق نتائج مهمة خلال فترة قصيرة، فإنني لا أتعامل مع هذا الكلام بوصفه مجاملة سياسية عابرة، بل أقرأه باعتباره رسالة سياسية متعددة الطبقات، موجهة إلى دمشق وإلى المنطقة وإلى الداخل الأمريكي في آن واحد...
فالتاريخ يعلمنا أن واشنطن لا توزع شهادات حسن السلوك مجاناً، ولا تمنح الثناء دون أن تكون لديها رؤية أو مصالح أو توقعات تريد تحقيقها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
- لماذا مدح ترامب القيادة السورية؟.. بل:
- ماذا يريد من وراء هذا المديح؟..
من وجهة نظري كمحلل سياسي، فإن الإدارة الأمريكية تنظر إلى سورية اليوم باعتبارها ساحة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وهي تدرك أن أي سلطة سورية جديدة تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية هائلة، وتحتاج إلى رفع العقوبات والانفتاح الدولي والاستقرار الداخلي، وهنا تتحول أوراق القوة الأمريكية إلى أدوات ضغط وتأثير...
لكن هل يعني ذلك أن ترامب يخادع سورية أو يضللها من أجل جرها إلى مواجهة مع حزب الله تحت عنوان "عملية جراحية" تقودها إسرائيل؟
أرى أن هذا الاحتمال يستحق النقاش، لكنه لا يمكن الجزم به باعتباره حقيقة ثابتة، لذا فإن ما يمكن قوله هو أن واشنطن وتل أبيب تتشاركان هدفاً استراتيجياً يتمثل في تقليص نفوذ إيران وحلفائها في المشرق العربي. ومن الطبيعي أن تتمنى إسرائيل رؤية سورية بعيدة عن أي محور يدعم حزب الله أو يوفر له عمقاً استراتيجياً...
غير أن المشاركة السورية المباشرة في أي عمل عسكري ضد حزب الله ليست مسألة بسيطة أو تلقائية، فمثل هذا الخيار يحمل أثماناً داخلية وإقليمية كبيرة، وقد يضع أي قيادة سورية أمام تحديات تتعلق بشرعيتها الوطنية وعلاقاتها العربية والإقليمية، ولذلك فإنني أتمنى وارى في آن معا أن تفصل واشنطن دفع دمشق نحو الابتعاد عن الحزب ومحاصرة نفوذه سياسياً وأمنياً، أكثر من رغبتها في رؤية سورية طرفاً مباشراً في مواجهة عسكرية مفتوحة.
أما السؤال الأهم فهو:
- هل تريد أمريكا وإسرائيل أن يبقى الرئيس أحمد الشرع أسيراً لهما بحجة أنهما ساهمتا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في وصول هيئته إلى الحكم؟..
هنا أعتقد أن جوهر المسألة يكمن في مفهوم الاستقلال السياسي، فالدول الكبرى تحاول دائماً تحويل لحظات التحول التاريخي إلى أوراق نفوذ طويلة الأمد، فالولايات المتحدة ليست استثناءً، كما أن إسرائيل ستسعى بطبيعة الحال إلى استثمار أي تغيير استراتيجي في سورية بما يخدم أمنها ومصالحها...
لكن الفرق كبير بين وجود رغبة أمريكية أو إسرائيلية في التأثير على القرار السوري، وبين القدرة الفعلية على احتجاز هذا القرار أو مصادرته، فالتاريخ مليء بقيادات وصلت إلى السلطة في ظروف دولية معقدة، ثم نجحت لاحقاً في بناء هوامش استقلالية أوسع مما كان متوقعاً، لكن هل يمكن لجماعة إسلاموية نعرف جميعا كيف وصلت لسدة الحكم ولدينا قدرة أن نقرأ الالتزامات التي رتبتها على نفسها لقاء هذا الوصول، هل لها أن تبني فعلا هوامش استقلالية لاسيما أنها لجهة النشأة والمناخ والمهام لم تكن حركة وطنية صرفة بل حركة جهادية وجذورها التي تعود لتنظيم القاعدة فهي عابرة للحدود ولاتعتد بالجغرافية الوطنية إلا في ظل إمارة إسلامية أوسع وأشمل..
عموماً:
فإن التحدي الحقيقي أمام القيادة السورية ليس إثبات الامتنان لهذا الطرف أو ذاك، بل إثبات القدرة على إنتاج قرار وطني مستقل، فالعلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف ولا على الديون السياسية الأبدية، وإنما على توازن المصالح، وكلما استطاعت دمشق تنويع علاقاتها الإقليمية والدولية، وتعزيز شرعيتها الداخلية، وتخفيف اعتمادها على أي قوة خارجية، ازدادت قدرتها على حماية استقلال قرارها...
في النهاية:
أرى أن مديح ترامب لا يجب أن يُفهم باعتباره صك براءة أو شهادة نجاح نهائية، كما لا يجب أن يُقرأ بالضرورة باعتباره فخاً محكماً. إنه رسالة سياسية تحمل فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه. والسؤال الذي سيحسم الإجابة ليس ما الذي يريده ترامب أو إسرائيل من سوريا، بل ما الذي تريده سوريا لنفسها، وإلى أي مدى تستطيع تحويل الدعم الخارجي إلى رافعة وطنية دون أن يتحول إلى قيد على سيادتها وقرارها المستقل.