بين الدولة والسلطة… مرثية رجلٍ اختار الوطن ووقف على العتبة

Salah Kirata • ١٤‏/٧‏/٢٠٢٦

بين الدولة والسلطة… 
مرثية رجلٍ اختار الوطن ووقف على العتبة:

56556.png

لم يكن سؤاله عابراً، ولا كانت نبرته بريئة كما حاول أن يخفيها بابتسامة خفيفة، قالها بلهجتنا اليومية التي تختصر الحكايات كلها في كلمات قليلة:

"يعني... شو بدك؟ حيّرتنا يا رجل!"

توقفت عند السؤال، لا لأنه أربكني، بل لأنه كشف حجم المأزق الذي وصلنا إليه، ففي زمن الاستقطاب الحاد، أصبح الإنسان مطالباً بأن يكون نسخةً مكررة من أحد المعسكرين؛ إما مصفقاً لكل شيء، أو شاتماً لكل شيء. أما أن تمتلك موقفاً مستقلاً، فذلك تهمة لا تُغتفر...

أما أنا، فلم أكن يوماً أسير الأشخاص، ولا رهينة الأنظمة، لكن لا اخفي اني احببت حافظ الأسد وأعجبت به قبل أن يعطل مؤتمرات الحزب ويحوله إلى مديرية للعلاقات العامة والإعلام في قصر برئاسة ابو سليم، وقبل أن يبدأ بإجراءات التوريث، لكن مع هذا لم أكن تابعاً للمعارضة من أجل المعارضة، فقد كان ولائي الوحيد وما يزال لسورية؛ لا بوصفه شعاراً يُرفع في المناسبات، بل لأنها وطناً يسكن القلب، وجرحاً مفتوحاً لا يتوقف عن النزف...

كنت يوماً جزءاً من الدولة، وعرفت مؤسساتها من الداخل، ودفعت ثمن الانتماء إليها تعباً ومواقف ومسؤوليات، لكنني كنت أؤمن أن الولاء الحقيقي لا يكون بالصمت، بل بالنصيحة الصادقة، كنت أعترض، وأناقش، وأحذّر، لأنني كنت أخشى على الدولة من أخطائها أكثر مما أخشى عليها من خصومها.

غير أن الأنظمة المستبدة لا تحب المرايا، لأنها تكشف التجاعيد التي تحاول إخفاءها، ولذلك كان خروجي منها أمراً متوقعاً؛ فمن يقول الحقيقة يصبح عبئاً، ومن يرفض التصفيق يتحول إلى خصم، حتى وإن كان أكثر الناس حرصاً على بقاء الدولة...

اليوم أقف خارج المشهد الرسمي، لكنني لست خارج المشهد الوطني.
56558.png


أحمل ما أحمل من علم وخبرة وتجربة، وتستضيفني منابر إعلامية في أنحاء مختلفة من العالم، بينما ما تزال كل شاشات سورية تتصرف وكأنها لا تراني، لم يعد ذلك يزعجني كما كان من قبل. أبتسم وأقول لنفسي: 
ما علينا... فالأوطان أكبر من الشاشات، والتاريخ لا يكتبه موظفو غرف الأخبار.

كنت أحلم، مثل كثيرين من أبناء جيلي، أن تتحقق المبادئ الأولى التي رُفعت يوماً باسم العدالة والوحدة والحرية؛ دولة قانون، ومؤسسات، وتكافؤ فرص، لا دولة عائلة، ولا سلطة تورث كما تورث الأملاك. لكن الأحلام الكبيرة كثيراً ما تتكسر على صخور الواقع.

ولأن السياسة ليست أمنيات، خفضت سقف أحلامي، لكنني لم أخفض سقف مبادئي.

قلت، وما زلت أقول، إن إنقاذ سورية لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإرادة الإصلاح الحقيقي...

فإنقاذ الدولة يبدأ بانتقال وطني مسؤول، لا يحول البلاد إلى فوضى، ولا يكرس الفساد باعتباره قدراً، ويحتاج إلى مصالحة وطنية صادقة لا تُلتقط فيها الصور التذكارية، بل تُبنى فيها الثقة بين السوريين، ويحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يكتبه أبناء الوطن جميعاً، ويُستفتى عليه كل سوري أينما كان، ليكون الدستور عقداً بين الشعب والدولة، لا وثيقة تمنح السلطة شرعية أبدية...

كما يحتاج إلى مؤسسات تعرف حدود أدوارها؛ جيش يحمي الحدود ولا يحكم السياسة، وقضاء لا يخضع للهاتف، وإدارة تقوم على الكفاءة لا على القرابة، ودولة يكون فيها المواطن قيمة بحد ذاته، لا رقماً في سجلات الولاء...

لهذا أقول دائماً: 
أنا مع الدولة، لكنني لست مع الاستبداد. مع الوطن، لكنني ضد تحويله إلى ملكية خاصة، مع النقد الذي يبني، لا مع الهدم الذي ينتقم، فالدول لا تُحفظ بالشعارات، ولا تُبنى بالأحقاد، وإنما تُصان بالعدل والحرية وسيادة القانون.

قد يظن البعض أن هذا الموقف رمادي، لأنه لا يشبه صراخ المتعصبين، لكنه في الحقيقة أوضح المواقف وأكثرها صعوبة؛ لأنه يرفض أن يختزل الوطن في شخص، أو الدولة في سلطة، أو الوطنية في التصفيق. وما منحه هذه الصلابة أنه لم يكن موقفاً نظرياً، بل ثمرة تجربة دفعت ثمنها من عمري ومستقبلي وموقعي، وما زلت أدفعه حتى اليوم...

لقد اخترت أن أقف في تلك المساحة الضيقة التي يهرب منها كثيرون؛ المساحة الفاصلة بين الضمير والمصلحة، بين الدولة والسلطة، بين الحب الأعمى والكراهية العمياء. قد يكون ثمن هذا الخيار أن أبقى وحيداً على العتبة، لكن لا بأس. فإذا كان لا بد من عزلة، فلتكن عزلة من أجل وطن، لا من أجل كرسي...

لست نادماً على هذا الطريق، لأن الأوطان لا ينقذها المصفقون، ولا يبنيها الحاقدون، بل يحفظها أولئك الذين يملكون شجاعة أن يقولوا للحاكم: أحسنت حين يُحسن، وأخطأت حين يُخطئ، دون خوف أو مصلحة...

لهذا، إذا سألني أحد مرة أخرى: 
"يعني... شو بدك؟" فسأجيبه بكل هدوء:

أريد دولةً لا سلطةً، وطناً لا مزرعة، ومواطناً لا تابعاً، أريد لسورية أن تبقى أكبر من الجميع، لأن الحكام يرحلون، والمعارضات تتبدل، أما الوطن، فإن مات مرةً في ضمائر أبنائه، فلن تُحييه كل خطابات العالم. ولذلك سأظل واقفاً على هذه العتبة، وحيداً إن لزم الأمر، لكن واضحاً، لأن دافعي الوحيد كان وسيبقى ألا تموت سورية مرتين.