فخّ النكاية السياسية

Salah Kirata • ١٤‏/٧‏/٢٠٢٦

56537.png

فخّ النكاية السياسية...
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
حين يتحول العداء لخصمٍ إلى تبريرٍ لخصمٍ آخر، تضيع البوصلة الأخلاقية وتسقط السياسة في فخ النكاية

في السياسة، كما في التاريخ، لا تكون أكبر الأخطاء دائماً ناتجة عن الجهل، بل كثيراً ما تنشأ من الانحياز العاطفي الذي يحجب الرؤية ويقود إلى خيارات كارثية، ومن أخطر ما ابتليت به منطقتنا العربية خلال العقود الأخيرة الوقوع في فخ "الثنائيات القاتلة"، حيث يُخيَّل للناس أن العالم لا يتسع إلا لمعسكرين متقابلين:
 إما أن تكون مع الولايات المتحدة وحلفائها، أو أن تكون تلقائياً في صف إيران ومحورها، وكأن الحق لا يمكن أن يقف مستقلاً عن الطرفين، وكأن الأخلاق السياسية لا تعرف سوى لونين لا ثالث لهما...

هذه الثنائية الزائفة أفسدت كثيراً من القراءات السياسية، وأوقعت قطاعات واسعة من الرأي العام في مغالطات خطيرة، حتى أصبح مجرد رفض السياسات الأمريكية مدخلاً لدى البعض إلى تبرير المشروع الإيراني أو التغاضي عن مخاطره. وهذه، في تقديري، واحدة من أكثر المغالطات الاستراتيجية خطورة في قراءة واقع الشرق الأوسط...

لذا:
فإن رفض الهيمنة الأمريكية لا ينبغي أن يقود إلى التسليم بهيمنة إقليمية أخرى، تماماً كما أن الهروب من مطرقة لا يبرر الارتماء تحت سندان، فالاستبداد لا يصبح مشروعاً لأنه يعادي استبداداً آخر، والطموحات الإمبراطورية لا تتحول إلى مشاريع تحرر لمجرد أنها تتصادم مع واشنطن...

بناء على ما قدمته اعلاه، اتابع موضحا ومفندا ما أريد أن أوصله إلى الأذهان من خلال مقالي وهو على الشكل التالي...
 
أولاً: 
رفض الهيمنة الأمريكية، وهذا موقف مبدئي لا مساومة عليه، فمن الضروري، قبل أي نقاش، تثبيت حقيقة أساسية لا لبس فيها، وهي أن الاعتراض على السياسات الأمريكية ليس موقفاً انفعالياً، بل موقف سياسي وأخلاقي يستند إلى وقائع وتجارب طويلة...

فالولايات المتحدة، منذ انتهاء الحرب الباردة، تصرفت في كثير من المحطات باعتبارها القوة الوحيدة المخولة بإدارة العالم، ورسخت نموذج الأحادية القطبية الذي أثبت مع مرور الزمن أنه لم ينجح في إنتاج نظام دولي أكثر عدلاً أو استقراراً، بل ساهم في تعميق الأزمات وازدواجية المعايير وإشعال العديد من الصراعات...

ويأتي في مقدمة أسباب هذا الرفض الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، رغم ما تتعرض له القضية الفلسطينية من انتهاكات وعمليات قتل وتهجير وتدمير موثقة أمام أنظار العالم، ولذلك فإن الاعتراض على هذا النهج الأمريكي ليس مجرد موقف سياسي، بل هو موقف أخلاقي ينطلق من الانتصار للحق والعدالة...

لكن السؤال الجوهري يبقى قائماً وهو :

- هل يعني رفض هذا الظلم أن نغض الطرف عن مشروع إقليمي آخر يحمل بدوره نزعات توسعية ويهدد استقرار المنطقة؟

الجواب، في تقديري، لا.

ثانياً:
 المشروع الإيراني، وإمبراطورية جديدة بثوب ديني، فعلى الضفة الأخرى، برز المشروع الإيراني بوصفه مشروعاً يتجاوز حدود الدولة التقليدية، وتبنى رؤية توسعية استندت إلى أدوات دينية ومذهبية منحته غطاءً أيديولوجياً تجاوز الحدود الوطنية...

فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، تبنت القيادة الإيرانية خطاباً يقوم على تصدير الثورة ونصرة المستضعفين، غير أن التطبيق العملي لهذا الشعار، كما يرى منتقدوه، ارتبط بتوسيع النفوذ السياسي والعسكري خارج الحدود الإيرانية، عبر بناء شبكات من القوى المسلحة والتنظيمات المرتبطة بمبدأ ولاية الفقيه...

ولم يقتصر الأمر على الخطاب الفكري، بل امتد إلى التدخل المباشر في شؤون عدد من الدول العربية، من خلال دعم جماعات مسلحة، وإنشاء ميليشيات محلية تدين بالولاء للولي الفقيه، الأمر الذي أدى، في نظر كثير من المراقبين، إلى إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وإثارة الانقسامات الطائفية، وتمزيق النسيج الاجتماعي في أكثر من ساحة عربية، وتقويض سيادة الدول لحساب مراكز قوة موازية للدولة...

وهكذا تحولت الشعارات الدينية، بالنسبة لكثير من المتابعين، من أدوات تعبئة عقائدية إلى أدوات نفوذ سياسي واستراتيجي، تُستخدم لتحقيق أهداف تتجاوز بكثير حدود الدفاع عن العقيدة أو نصرة المظلومين...

ثالثاً: 
البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، فعندما تتحول القوة إلى أداة للهيمنة عسكرياً، لا يمكن تجاهل أن إيران استثمرت خلال العقود الماضية في بناء قدرات صاروخية واسعة، شملت منظومات باليستية بعيدة المدى، وهو ما أثار قلقاً إقليمياً ودولياً متزايداً، باعتبار أن امتلاك مثل هذه القدرات لا ينفصل عن ميزان القوة في المنطقة...

أما الملف النووي، فيبقى أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، فقد وصلت مستويات تخصيب اليورانيوم إلى نحو 60%، وهي نسبة تتجاوز بكثير احتياجات الاستخدامات المدنية التقليدية التي تعتمد عادة على نسب منخفضة لا تتجاوز بضعة في المئة. ويرى كثير من الخبراء أن هذا المستوى من التخصيب يختصر المسافة التقنية نحو مستويات أعلى إذا اتُّخذ القرار السياسي بذلك، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن الغاية النهائية للبرنامج النووي الإيراني، ويجعل الرواية القائلة بحصريته للأغراض السلمية محل تشكيك واسع في الأوساط الدولية...

ويضاف إلى ذلك استمرار تطوير المنظومات الصاروخية بعيدة المدى، بما يمنح طهران أدوات ردع وتأثير تتجاوز حدودها الجغرافية، ويعزز قدرتها على فرض وقائع جديدة في معادلات الأمن الإقليمي، وما استهدافها لقاعدة بيلوغارسيا إلا دليل على امتلاكها صواريخ يصل مداها إلى ٤٠٠٠ كم، وهذا ما تعهدت به مع الاوربيين خلال النقاشات التي سبقت التوقيع على الاتفاق النووي عام ٢٠١٥...

أما في المجال البحري، فلم تعد إيران تكتفي بالتأثير في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، بل امتد نفوذها، بصورة مباشرة أو عبر حلفائها في اليمن، إلى محيط مضيق باب المندب، بما جعل أحد أهم الممرات البحرية الدولية عرضة للتوتر والتهديد، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة والاقتصاد الدولي...

رابعاً: 
التاريخ لا يرحم، وشبح ميونيخ ما زال يلوح في الأفق، فهو يعلمنا واقصد التاريخ أن التساهل مع المشاريع التوسعية لا يؤدي إلى السلام، بل يؤجل الانفجار، لقد اعتقدت القوى الأوروبية في ثلاثينيات القرن الماضي أن سياسة التهدئة مع ألمانيا النازية ستمنع الحرب، فكانت اتفاقية ميونيخ عنواناً لذلك الوهم. غير أن تلك التنازلات لم تشبع طموحات هتلر، بل شجعته على المضي في مشروعه التوسعي، لتنزلق البشرية بعد سنوات قليلة إلى أفظع حرب عرفها التاريخ الحديث...

ولا يعني هذا التطابق بين الحالتين، فلكل مرحلة ظروفها المختلفة، لكنه يذكرنا بأن تجاهل المؤشرات الخطيرة، أو تبرير التوسع بدافع الخصومة مع طرف آخر، قد يقود إلى نتائج لا تقل خطورة...

ومن هنا:
 تبدو محاولة بعض النخب أو قطاعات من الرأي العام التماس الأعذار للمشروع الإيراني أو تبرير سياساته، فقط لأنه يناهض الولايات المتحدة، نوعاً من قصر النظر السياسي. فقاعدة "عدو عدوي صديقي" ليست نظرية في العلاقات الدولية، بل وصفة متكررة لإنتاج كوارث جديدة...

فالمشاريع الإمبراطورية لا تلغي بعضها بعضاً، وإنما تتنافس، ثم تتصادم، وغالباً ما يكون ثمن ذلك الدماء والدمار. والتغاضي الدولي أو الإقليمي عن الطموحات النووية والعسكرية والبحرية الإيرانية، بدافع النكاية بالولايات المتحدة أو الرغبة في موازنة نفوذها، لن ينتج سلاماً دائماً، بل قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة، وربما يساهم في إشعال صراع دولي أكبر تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى، ويكون الشرق الأوسط ساحته الأولى...

الخلاصة:
إن رفض الهيمنة الأمريكية، وإدانة الانحياز الغربي، والوقوف ضد الاحتلال الإسرائيلي، هي مواقف مبدئية نابعة من الانحياز إلى العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها...

لكن المبدأ الأخلاقي ذاته يفرض علينا، بالقدر نفسه من الوضوح، رفض أي مشروع توسعي آخر، أياً كانت شعاراته أو مرجعياته أو خصومه، فإيران، عندما تتحول إلى مشروع نفوذ عابر للحدود، وتستخدم الدين والمذهب أداة للتمدد السياسي والعسكري، لا تصبح أقل خطورة لمجرد أنها تختلف مع الولايات المتحدة...
لذا:
فإن مقاومة مستبد لا تمنح الشرعية لمستبد آخر، كما أن معارضة إمبراطورية لا تبرر التصفيق لإمبراطورية منافسة، فالأوطان لا تُبنى بالاصطفاف خلف مشاريع الهيمنة، بل تُبنى بالانحياز للدولة الوطنية، ولسيادة القانون، وللعلاقات الدولية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها...

أما الوقوع في فخ النكاية السياسية، حيث يصبح العداء لأمريكا سبباً لتبرير كل ما تفعله إيران، فليس موقفاً مبدئياً، بل انحياز عاطفي يفقد صاحبه القدرة على التمييز بين المبادئ والمصالح، وقد يقود المنطقة، إذا استمرت مشاريع الهيمنة والتوسع والتسلح بلا ضوابط، إلى مواجهة إقليمية كبرى قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط...

وعندها لن يكون هناك منتصر حقيقي، لأن الحروب الكبرى لا تصنع أمجاداً دائمة، بل تترك وراءها شعوباً منهكة، وأوطاناً مدمرة، وعالماً يدفع ثمن تجاهل دروس التاريخ.