بين واشنطن ودمشق... هل يملك أحمد الشرع حق الرفض إذا جاء الطلب الأمريكي؟

Salah Kirata • ٢١‏/٦‏/٢٠٢٦

50175.png

بين واشنطن ودمشق...
هل يملك أحمد الشرع حق الرفض إذا جاء الطلب الأمريكي؟:

في السياسة لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات أبدية، هناك مصالح تتغير، وموازين قوى تتبدل، وأوراق يعاد ترتيبها كلما تبدلت الأولويات، لهذا يبدو المشهد السوري اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، خصوصاً مع تزايد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن دور قد يُطلب من دمشق أن تؤديه في ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها الملف اللبناني.

اللافت في الخطاب الأمريكي خلال الأشهر الأخيرة ليس مجرد الحديث عن سوريا، بل نبرة الثقة التي ترافق هذا الحديث، ثقة توحي وكأن بعض دوائر القرار في واشنطن تعتقد أن دمشق أصبحت أقرب إلى الاستجابة لمطالب معينة مما كانت عليه في مراحل سابقة، وأن الظروف التي أفرزتها التحولات الإقليمية قد صنعت واقعاً جديداً يختلف جذرياً عما عرفته المنطقة خلال العقد الماضي...

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: 
-من أين تأتي هذه الثقة؟
قد يكون جزء من الإجابة مرتبطاً بحقيقة أن سورية الجديدة الخارجة من سنوات الحرب والعزلة والعقوبات تحتاج بصورة ملحة إلى إعادة الإعمار، ورفع القيود الاقتصادية، واستعادة موقعها الإقليمي والدولي، وهذه الملفات كلها لا تزال تمر، بشكل أو بآخر، عبر البوابة الأمريكية أو عبر تفاهمات تحظى بموافقة واشنطن...

كما أن الولايات المتحدة تدرك أن دمشق تسعى للحصول على اعتراف سياسي أوسع، واستثمارات خارجية، وتطبيع اقتصادي يخفف من الأعباء الهائلة التي تراكمت خلال سنوات الصراع، ومن هنا قد ينشأ اعتقاد لدى بعض صناع القرار الأمريكيين بأن هامش المناورة السوري ليس واسعاً كما يبدو...

لكن العامل الأمريكي ليس الوحيد في المعادلة، فالحديث المتكرر عن وجود تفاهمات أو قنوات تنسيق مع قوى إقليمية مؤثرة، وعلى رأسها تركيا، يضيف بعداً آخر إلى المشهد،  فإذا كانت واشنطن وأنقرة، رغم خلافاتهما المعروفة، قادرتين على الالتقاء حول ملفات معينة تخص مستقبل المنطقة، فإن أي قيادة سورية ستجد نفسها مضطرة إلى قراءة تلك التفاهمات بعناية شديدة...

وهنا تبرز المعضلة الحقيقية أمام أحمد الشرع، وهنا لنا أن نتساءل:
- هل يملك رفاهية أن يقول "لا" إذا طُلب منه القيام بدور إقليمي كبير؟..

من الناحية النظرية، (نعم)، وذلك لأن أي قيادة وطنية تملك دائماً حق رفض ما تعتبره متعارضاً مع مصالح شعبها و  استقرار بلدها، لكن السياسة لا تُدار بالنظريات وحدها، فقرار الرفض لا يتوقف عند كلمة واحدة، بل يترتب عليه حساب طويل من النتائج والضغوط والفرص الضائعة...

إذا رفض الشرع طلباً أمريكياً أساسياً، فقد يجد نفسه أمام تباطؤ في الانفتاح الدولي، أو أمام عودة بعض أشكال العزلة السياسية والاقتصادية، أو على الأقل أمام فتور في العلاقات مع القوى التي تملك مفاتيح الدعم والاستثمار وإعادة التأهيل الدولي...

وفي المقابل:
فإن الموافقة ليست طريقاً معبداً بالورود، لأن أي انخراط سوري مباشر في الملف اللبناني يحمل معه مخاطر ضخمة لا يمكن تجاهلها...

فلبنان ليس مجرد ساحة جغرافية مجاورة. إنه بلد شديد الحساسية، تتداخل فيه الطوائف والأحزاب والقوى الإقليمية والدولية بصورة تجعل أي تدخل خارجي قضية شديدة الانفجار، وما قد يبدو للبعض خطوة لإعادة الاستقرار، قد يراه آخرون محاولة لإعادة إنتاج نفوذ قديم أو فرض وقائع جديدة بالقوة...

إجمالاً:
فداخل سورية نفسها، قد تطرح أسئلة صعبة منها:
- هل الأولوية اليوم هي الانخراط في ملفات خارجية أم معالجة التحديات الداخلية الهائلة؟..
- هل المجتمع السوري، الذي أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية، مستعد لتحمل أعباء سياسية أو أمنية جديدة خارج الحدود؟..
- وهل ستُفهم أي خطوة في لبنان باعتبارها دفاعاً عن الأمن القومي السوري، أم باعتبارها مغامرة قد تستنزف الموارد والطاقات في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى التركيز على إعادة البناء؟..

أما على المستوى الإقليمي، فإن التداعيات ستكون أكثر تعقيداً...

- فبعض العواصم العربية قد تنظر بإيجابية إلى دور سوري يساعد على منع انهيار لبنان أو احتواء الفوضى فيه، بينما قد تنظر عواصم أخرى بقلق إلى أي عودة سورية قوية إلى الساحة اللبنانية، خصوصاً إذا اعتُبرت تلك العودة بداية لتغييرات أوسع في موازين القوى الإقليمية...
- وفي الوقت نفسه، ستراقب إسرائيل التطورات بحذر بالغ، لأنها تعتبر أي تحرك يغيّر التوازنات على حدودها الشمالية قضية أمن قومي من الدرجة الأولى...

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشرع سيوافق أو سيرفض، بل كيف سيوازن بين الكلفة والعائد في كل خيار:

- فالرفض قد يحميه من مخاطر داخلية وإقليمية، لكنه قد يحرمه من مكاسب سياسية واقتصادية يحتاجها بشدة...
- والموافقة قد تفتح أبواباً مغلقة أمام دمشق، لكنها قد تدخلها أيضاً في شبكة معقدة من التحديات والصراعات التي يصعب التحكم بمساراتها لاحقاً...

في النهاية:
تبدو سورية اليوم أمام لحظة اختبار دقيقة. فكلما اقتربت من استعادة موقعها الإقليمي، ازدادت المطالب والضغوط والتوقعات الملقاة على عاتق قيادتها. وبين إغراء الفرص ومخاطر المغامرات، سيبقى القرار السوري محكوماً بمعادلة واحدة: كيف يمكن تحقيق أكبر قدر من المكاسب الوطنية بأقل قدر ممكن من الأثمان؟ .

ذلك هو السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة، ليس في سورية وحدها، بل في لبنان والمنطقة بأسرها.