
دمشق أكبر من الجميع:
في الأزمنة المضطربة لا تبدأ الأزمات الكبرى بالرصاص ولا بالحدود الفاصلة بين الأحياء والمدن، بل تبدأ غالبًا بفكرة صغيرة تتسلل إلى العقول بهدوء: فكرة أن بعض الناس أكثر استحقاقًا للوطن من غيرهم، وأن الانتماء يمكن قياسه بالأصل أو الطائفة أو المكان الذي وُلد فيه الإنسان. وحين تتحول هذه الفكرة إلى خطاب سياسي أو اجتماعي، يصبح الخلاف الطبيعي بين أبناء البلد الواحد مشروعًا دائمًا للشك والاتهام.
في السنوات الأخيرة، عادت إلى الساحة السورية مفردات تحمل في ظاهرها وصفًا للواقع، لكنها في حقيقتها تؤسس لانقسام خطير. ومن أخطر هذه المفردات تلك التي تنزع عن مواطنين حقهم الطبيعي في الانتماء إلى مدنهم وأحيائهم، وتتعامل معهم وكأن وجودهم يحتاج إلى تبرير أو إذن مسبق. فحين يصبح السؤال المطروح هو: من يحق له أن يعيش هنا؟ نكون قد انتقلنا من منطق الدولة إلى منطق الجماعات، ومن مفهوم المواطنة إلى مفهوم الامتياز.
دمشق، بوصفها عاصمة سوريا وقلبها التاريخي، تقدم المثال الأوضح على خطورة هذا التفكير. فهذه المدينة لم تنشأ يومًا باعتبارها ملكًا لجماعة بعينها، ولم تُبنَ على أساس النقاء الاجتماعي أو الديني أو المناطقي. على العكس من ذلك، تشكلت عبر آلاف السنين من موجات متعاقبة من البشر والثقافات والتقاليد. وكل حجر فيها يروي قصة تفاعل وتلاقح أكثر مما يروي قصة انعزال وانغلاق.
لهذا فإن اختزال دمشق في هوية واحدة أو جماعة واحدة لا يشكل ظلمًا للآخرين فحسب، بل يشكل ظلمًا لدمشق نفسها. فالمدينة التي عاشت قرونًا طويلة بوصفها مركزًا للتنوع لا يمكن أن تتحول إلى مساحة مغلقة يحدد أهلها من يدخل إليها ومن يبقى خارجها. والعاصمة لا تستمد مكانتها من تمثيل فئة من المواطنين، بل من قدرتها على احتضان الوطن بأكمله.
إن استخدام توصيفات من قبيل "المستوطنين" بحق مواطنين سوريين، أيًّا كانت الخلفيات أو المبررات التي تُطرح لتسويغ ذلك، يحمل دلالات خطيرة تتجاوز الكلمات نفسها. فهذه اللغة تنقل النقاش من معالجة الأخطاء والسياسات إلى محاكمة البشر على أساس الانتماء الجمعي، وتفتح الباب أمام تحميل أفراد مسؤولية أفعال لم يرتكبوها لمجرد أنهم ينتمون إلى منطقة أو طائفة أو بيئة اجتماعية معينة.
والتجارب التاريخية تعلمنا أن المجتمعات لا تخرج من أزماتها عبر توسيع دائرة الاتهام، بل عبر توسيع دائرة العدالة. فالتعميم لا يصنع إنصافًا، بل ينتج مظالم جديدة تضاف إلى المظالم القديمة. وما يبدأ بإقصاء فئة تحت عنوان تصحيح الخلل، ينتهي غالبًا بإنتاج خلل أكبر وأكثر خطورة.
لقد دفعت سوريا خلال العقود الماضية أثمانًا باهظة نتيجة الانقسامات التي مزقت النسيج الوطني وحولت الاختلاف إلى صراع مفتوح. ومن المؤسف أن بعض الخطابات المعاصرة تعيد إنتاج المنطق ذاته بألفاظ مختلفة، وكأن البلاد لم تتعلم شيئًا من آلامها الطويلة. فلا يمكن بناء مستقبل مشترك باستخدام الأدوات الفكرية نفسها التي ساهمت في تفكيك المجتمع وإضعاف الدولة.
إن حماية دمشق، كما حماية سوريا كلها، لا تتحقق بإعادة رسم الحدود بين أبنائها، ولا بإحياء معايير الفرز القديمة والجديدة، بل بترسيخ مبدأ بسيط وواضح: أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن القانون وحده هو المرجعية التي تحكم العلاقة بينهم. فالوطن ليس إرثًا خاصًا تتناقله جماعة من جيل إلى جيل، بل فضاء مشترك يتسع لكل من ينتمي إليه ويسهم في بنائه.
في النهاية، لا تصان الأوطان بالكراهية، ولا تستقر بالثأر الرمزي، ولا تزدهر عندما ينشغل أبناؤها بتفتيش أنساب بعضهم بعضًا. ما يحفظ الأوطان حقًا هو العدل، وما يمنحها القوة هو تنوعها، وما يضمن مستقبلها هو شعور كل فرد فيها بأنه مواطن كامل الحقوق، لا ضيف مؤقت ينتظر شهادة قبول من الآخرين. وعندما تنتصر هذه الفكرة، تصبح دمشق أكبر من الجميع، ويصبح الوطن بيتًا يتسع لأبنائه جميعًا لا ساحةً يتنافسون على احتكارها.