
صدى الأوامر الأخيرة...
كيف سقطت دمشق قبل أن تسقط على الأرض؟.
تابعت شهادة أحد الضباط، وشعرت أنه لا يقول إلا الحقيقة، وهو يصف الحال التي كان عليها النظام السابق في آخر أيامه حيث قال :
لم تسقط دمشق يوم دخلتها القوى المسلحة، بل سقطت قبل ذلك بأيام، وربما بأسابيع، عندما فقدت الدولة قدرتها على اتخاذ القرار، وتحول مركز القيادة إلى مجرد صدى لأوامر تأتي من خارج الحدود...
في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الانهيار، كانت المؤشرات الميدانية تتراكم بصورة يصعب تجاهلها. تقارير عن حشود عسكرية، وتغيرات في خطوط التماس، وحالة إنهاك أصابت الجيش بعد سنوات طويلة من الحرب، فيما كانت القيادة السياسية والعسكرية تبدو وكأنها تعيش حالة انتظار غامضة. لم يكن السؤال يومها:
- هل سيبدأ الهجوم؟..
بل:
- لماذا لم يصدر قرار يمنع وقوعه؟
هذه هي العقدة الأساسية في المشهد كله...
يتابع قائلا وهو ما أوافقه عليه :
لقد بدا واضحاً أن القرار السوري لم يعد سورياً بالكامل، فمنذ التدخل العسكري الروسي عام 2015 أصبحت موسكو اللاعب الأكثر تأثيراً في إدارة العمليات الكبرى، وتحولت غرف العمليات المشتركة إلى المرجعية الفعلية لكثير من القرارات العسكرية، وعندما جاءت اللحظة الحاسمة، بدا أن الأولوية الروسية لم تعد الدفاع عن دمشق مهما كان الثمن، وإنما إدارة الانسحاب بأقل الخسائر الممكنة، بما يحفظ مصالحها العسكرية وقواعدها الاستراتيجية ويجنبها مواجهة مفتوحة لا ترغب فيها...

لهذا اكتسبت عبارة "إعادة التموضع" دلالة مختلفة تماماً، فما قُدم على أنه إجراء تكتيكي مؤقت، تحول عملياً إلى سلسلة انسحابات متتابعة أفقدت الجيش تماسكه، كانت الوحدات العسكرية تتراجع وهي تعتقد أن هناك مرحلة لاحقة للهجوم المعاكس، لكن تلك المرحلة لم تأتِ أبداً، ومع كل انسحاب كانت الجغرافيا تتآكل، وكانت الثقة تتآكل معها، إلى أن أصبح الانهيار النفسي أخطر من الانهيار العسكري نفسه...
في المقابل:
كانت موسكو تتحرك بمنطق مختلف؛ منطق الدولة الكبرى التي تعيد ترتيب أولوياتها في ظل حرب أوكرانيا واستنزاف الموارد. فلم تعد سورية بالنسبة إليها ساحة تستحق المجازفة بكل شيء من أجلها، بل ورقة ضمن توازنات دولية أوسع، يمكن إعادة تموضعها بما يخدم الحسابات الاستراتيجية الروسية...
أما داخل دمشق، فإن ما جرى في الساعات الأخيرة سيظل، على الأرجح، واحداً من أكثر فصول الأزمة غموضاً، الروايات المتداولة تتحدث عن ضغوط مكثفة مورست على الرئيس بشار الأسد لمغادرة البلاد، وعن انتقاله إلى قاعدة حميميم قبل وصوله إلى موسكو، لكن ما قيل في تلك الاجتماعات، وكيف اتخذ القرار النهائي، ومن كان صاحب الكلمة الأخيرة، تبقى أسئلة مفتوحة بانتظار ما قد تكشفه الوثائق أو شهادات المشاركين مستقبلاً...
وفي الميدان:
لم يكن الانهيار نتيجة هجوم عسكري خاطف فقط، بل نتيجة انهيار منظومة القيادة والسيطرة، فالجيش الذي صمد سنوات طويلة في ظروف أكثر قسوة، وجد نفسه فجأة بلا رؤية واضحة، ولا أوامر متماسكة، ولا قيادة سياسية قادرة على استعادة زمام المبادرة، ومعلوم أنه عندما يفقد الجيش الثقة بقيادته، يصبح الزمن نفسه سلاحاً موجهاً ضده...
وفي الجنوب:
ساهمت التحركات المحلية والإقليمية المتشابكة في تسريع تغير موازين القوى، فالتطورات الميدانية تجاوزت الإيقاع السياسي، وأصبحت الوقائع التي تُفرض على الأرض أسرع من قدرة التفاهمات الإقليمية على استيعابها، وهو ما جعل العاصمة تواجه واقعاً جديداً خلال ساعات قليلة...
ولم يكن العامل الإسرائيلي بعيداً عن الصورة، فمنذ سنوات كانت إسرائيل تنفذ ضربات مركزة ضد الوجود الإيراني في سورية، محافظة على قواعد اشتباك دقيقة، لكن مع انهيار مؤسسات الدولة تبدلت المعادلة بالكامل، ووجدت إسرائيل فرصة استراتيجية لتوسيع نطاق سيطرتها الأمنية في المناطق الحدودية، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه انهيار السلطة المركزية...
لذا:
فإن ما حدث في دمشق لا يمكن تفسيره باعتباره هزيمة عسكرية تقليدية، ولا باعتباره انتصاراً ميدانياً خالصاً، لقد كان، في جوهره، انهياراً سياسياً سبق الانهيار العسكري، وانهياراً في منظومة القرار قبل أن يكون انهياراً في خطوط الدفاع...
وربما يكشف التاريخ، عندما تُفتح الأرشيفات وتتكلم الشخصيات التي التزمت الصمت، أن العاصمة السورية لم تُهزم بقوة الخصوم وحدها، بل أيضاً بتضارب حسابات الحلفاء، وبالتردد القاتل، وبالأوامر التي غيّرت مسار المعركة قبل أن تُطلق الرصاصة الأخيرة...
وعليه:
فإن الدرس الأهم هو أن الدول لا تسقط حين تعجز عن القتال فقط، بل حين يصبح قرار القتال، وقرار الانسحاب، وقرار البقاء، جميعها خارج إرادتها الوطنية...
ويبقى السؤال المضطرب والمضطربة الإجابة عليه هو :
- هل باعت روسيا النظام السابق لهيئة تحرير الشام...
- هل كان ما حدث من صعود وسقوط مريبان نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية وجدت أن كلفة بقاء النظام صارت أعلى من رحيله .