عندما يتحول الحقد إلى عقيدة... وتسقط الأخلاق قبل أن يسقط الخصم

Salah Kirata • ٢٢‏/٧‏/٢٠٢٦

59487.png


عندما يتحول الحقد إلى عقيدة... وتسقط الأخلاق قبل أن يسقط الخصم.

من أخطر ما تفرزه العقلية الإقصائية والإلغائية أنها لا تكتفي بمصادرة حق الآخر في الرأي أو الوجود، بل تمتد لتغتال إنسانيته وكرامته وشرفه، وحين تستند هذه العقلية إلى منطق الغلبة والكراهية، يصبح خطاب التحريض جزءًا من الهوية، لا مجرد وسيلة في الصراع...

إن الكارثة الحقيقية ليست في اختلاف المواقف السياسية، بل في الانحدار الأخلاقي الذي يجعل الإنسان يرى الفضيلة حكرًا على دائرته الضيقة، بينما ينزعها عن كل من يخالفه أو ينتمي إلى مكوّن آخر...

فوفق هذه الثقافة المشوهة، تصبح الأمهات والأخوات والزوجات والبنات داخل جماعتهم وحدهن عنوانًا للشرف والعفة والكرامة، أما نساء الآخرين، ولا سيما المنتميات إلى مكوّن بعينه، فيُنظر إليهن بازدراء، وتُلصق بهن أبشع الأوصاف دون دليل أو حياء أو وازع أخلاقي...

بل إن المأساة تبلغ ذروتها عندما تُفقد فتاة أو يُثار الحديث عن احتمال تعرضها للاختطاف، فلا ينتظر أصحاب هذا الخطاب تحقيقًا ولا دليلًا، ولا يحترمون قرينة البراءة، وإنما يسارعون إلى إطلاق أحكامهم الجاهزة، مدّعين أنها ذهبت بإرادتها، أو أنها تلبي شهوةً أو رغبةً شخصية، وكأنهم جمعوا في شخص واحد دور الشرطي، والمحقق، والنيابة العامة، والقاضي، ثم الجلاد...

إنها جريمة أخلاقية قبل أن تكون جريمة في حق الأفراد، لأن الطعن في الأعراض ليس مجرد إساءة عابرة، بل هو هدم لمنظومة القيم التي تحفظ تماسك المجتمع. ومن يعتاد الخوض في سمعة الناس بلا بينة، لن يتردد غدًا في تبرير أي ظلم أو انتهاك، طالما أن الضحية تنتمي إلى "المعسكر الآخر"...

إن المجتمعات لا تنهار فقط بالقنابل والصواريخ، بل قد تنهار أيضًا حين يصبح التشهير فضيلة، والافتراء بطولة، والكراهية ثقافة، وتجريد الإنسان من كرامته فعلًا يُصفق له البعض.

وصدق الشاعر حين قال:

لسانُكَ لا تذكرْ به عورةَ امرئٍ
                فكلُّكَ عوراتٌ وللناسِ ألسنُ.