
هندسة الاختناق والـ83 قنبلة:
تفاصيل استخباراتية تكشف اللحظات الأخيرة في مخبأ نصر الله...
في يوم غيّر وجه المعادلات الميدانية، لم تكن الطائرات الإسرائيلية المقاتلة تحلق فوق ضاحية بيروت الجنوبية لمجرد تنفيذ غارة جوية خاطفة، بل كانت تنفّذ خطة اغتيال وُصفت بـ"المُحكمة والمطوّقة" لإنهاء حياة الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله...
في التالي:
تفاصيل جديدة وصادمة كشفها مسؤولون كبار في الاستخبارات وسلاح الجو الإسرائيلي لصحيفة "معاريف"، تُزيح الستار لأول مرة عن كواليس تلك اللحظات، وحجم الاختراق الأمني، والخطة العسكرية التي صُممت خصيصاً لقطع أنفاس المخبأ ومن فيه...
تبدأ الرواية الاستخباراتية من تفكيك الصورة النمطية التي رُسمت لنصر الله طوال سنوات؛ إذ كشف العقيد احتياط "س"، رئيس وحدة "نحلات بنيامين" والمسؤول عن بنك الأهداف في سلاح الجو، أن نصر الله لم يكن يعيش معظم وقته مدفوناً تحت الأرض كما شاع عنه، بل كان يتحرك في جغرافيا محددة ومرصودة بدقة، ويؤكد الضابط الإسرائيلي:
"تابعنا نصر الله لفترة طويلة جداً، عرفنا شققه، ومنزل زوجته، وأماكن الطوارئ التي يلجأ إليها"...
بل إن المفاجأة كانت في استقراره لفترات معينة في شقة فاخرة (بنتهاوس) بالطابق الثامن من مبنى سكني بالضاحية الجنوبية، مستخدماً مصعداً خاصاً شُيّد له خصيصاً ليقله إلى الأسفل عندما يستشعر الخطر أو يحتاج إلى التواري...
وفي ذلك اليوم الحاسم، كانت أمام نصر الله خيارات متعددة للتوجه إلى أماكن أكثر تحصيناً وعمقاً، لكنه اتخذ قراره بالتوجه إلى ذلك الملجأ المحدد، الذي يقع عميقاً تحت الأرض أسفل مجمع سكني متعدد الطوابق، وهو القرار الذي كان يترقبه سلاح الجو الإسرائيلي...
عند إشارة البدء، انقضت المقاتلات الإسرائيلية لتسقط مطراً من النيران زنتُه 83 قنبلة ثقيلة —وهو العدد ذاته الذي استُخدم لاحقاً ضد خليفته المحتمل—، لقد استمر الهجوم العنيف لثوانٍ معدودة، لكن الهدف لم يكن مجرد التدمير؛ فقد أطلقت الطائرات صواريخ محددة في الثواني الأولى كانت مهمتها الأساسية إغلاق منافذ المخبأ، وحبس الموجودين داخله، وتحويل الملجأ إلى سجن إسمنتي مغلق يمنع أي محاولة للخروج.
هنا، دخلت الخطة مرحلتها الأكثر قسوة: "خنق الوقت". يروي المسؤول الاستخباراتي الرفيع أنه قبل بدء العملية، توجّه بسؤال محدد لقائد وحدة الإنقاذ التابعة للجبهة الداخلية الإسرائيلية، مستفسراً عن الوقت الذي تحتاجه فرق الإنقاذ عادة للوصول إلى عالقين تحت ركام دمار بهذا الحجم، فجاءت الإجابة: "ست ساعات"، بناءً على هذه المعلومة، أدرك المسؤول أن أجهزة الإنقاذ اللبنانية، في ظل الفوضى والدمار، ستكون أقل تنظيماً، فوضع خطة صارمة تضمن "منع وتجميد" أي محاولة إنقاذ لمدة 12 ساعة كاملة...
الهدف من وراء منع الإنقاذ لنصف يوم لم يكن عشوائياً، بل كان لضمان النتيجة الحتمية وهي :
أن يُقتل نصر الله ومن معه داخل المخبأ، سواء قُضوا بالضربة المباشرة، أو نزفاً حتى الموت، أو اختناقاً بسبب النفاد التدريجي للأكسجين بعد أن انهار المبنى السكني الشاهق فوق الملجأ تماماً وتحول إلى ثقل مطبق...
ولم تكتفِ غرفة العمليات الإسرائيلية بالمراقبة عن بُعد، بل تحولت المنطقة المحيطة بالركام إلى منطقة موت محظورة، فرصدت طائرات الاستطلاع دراجة نارية وصلت إلى الموقع وحاول مستقلّوها التسلل عبر فتحة قريبة أحدثها الانفجار، فتم استهدافهم على الفور، وعندما استُدعيَت جرافة ضخمة لرفع الأنقاض وإخراج العالقين، جرى قصفها مباشرة، وتبعتها جرافة ثانية واجهت المصير ذاته، فيما عجزت الجرافة الثالثة عن الوصول جراء حزام النار المحيط بالمكان؛ لتُغلق إسرائيل بذلك كل ثغرة للنجاة، وتنهي العملية بنجاح عسكري وتكتيكي، تاركةً خلفها تفاصيل مروعة عن كيفية هندسة تلك اللحظات الأخيرة.