--:--
وزير الدفاع الإسرائيلي يهدد الضاحية الجنوبية لبيروت: أي استهداف للشمال سيقابله رد على لبنان الجيش الإسرائيلي: نستعد لعدة أيام من القتال مع إيران وسط تصعيد متبادل سقوط أجزاء من بعض الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران تجاه إسرائيل، في أراض زراعية في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا #ألبوم

إيران بعد الحرب: من ثورةٍ مُحاصَرة إلى دولةٍ أمنية قومية تعيد تشكيل الإقليم

Salah Kirata • ٨‏/٦‏/٢٠٢٦

44934.png

إيران بعد الحرب: من ثورةٍ مُحاصَرة إلى دولةٍ أمنية قومية تعيد تشكيل الإقليم:

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

لم تكن الحرب الواسعة التي استهدفت إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة فاصلة في مسار الدولة والنظام معًا. فقد راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضغط العسكري المكثف، وما رافقه من ضربات دقيقة وعمليات اغتيال، سيقود إلى إضعاف بنية الجمهورية الإسلامية وربما دفعها نحو التفكك الداخلي. غير أن ما حدث على الأرض رسم مسارًا مختلفًا تمامًا: لم تنهَر الدولة، ولم تنفجر من الداخل، بل دخلت مرحلة إعادة تشكيل عميقة أعادت تعريف ذاتها ووظيفتها.
بدل أن تكون الحرب بوابة انهيار، تحولت إلى محفّز لتسريع انتقال داخلي كان يتبلور أصلًا داخل مؤسسات النظام. فقد بدأ جيل جديد، نشأ داخل بنية الجمهورية الإسلامية نفسها لا في لحظة تأسيسها الأولى، يتقدم إلى مواقع القرار. هذا الجيل لا يحمل بالضرورة حماسة الثورة الأولى، بل يتعامل مع الدولة باعتبارها كيانًا قائمًا له مصالح وحدود وتوازنات، ويقيس السياسات بمنطق النتائج لا الشعارات. وهكذا أخذت تتراجع مركزية الخطاب العقائدي لصالح مقاربة أكثر براغماتية، تمزج بين الحس الأمني والتفكير الإداري والنزعة القومية.
ومع هذا التحول الجيلي، تغيّرت طبيعة السلطة وآليات عملها. لم يعد القرار محصورًا في دوائر تقليدية ضيقة، بل بات أكثر تشابكًا مع بنى عسكرية وأمنية وتكنوقراطية صاعدة. كما أعادت الدولة توزيع بعض وظائفها الإدارية، ومنحت مستويات محلية هامشًا أوسع في إدارة الشأن التنفيذي، في محاولة لرفع الكفاءة وتحسين القدرة على الاستجابة خلال زمن الحرب.
على المستوى العسكري، أظهرت التجربة أن العقيدة الدفاعية الإيرانية لم تعد تعتمد على نموذج الجيش التقليدي بقدر ما تتجه نحو نمط شبكي مرن. فبدل التمركز الصلب، جرى تبني انتشار واسع للقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، بما يسمح بالاستمرار في القتال حتى تحت ضغط الضربات الجوية الكثيفة. هذا التحول جعل من الاستنزاف الطويل أداة مركزية، تقوم على إرباك منظومات الدفاع لدى الخصوم وإجبارهم على خوض حرب مكلفة وممتدة.
وفي السياق نفسه، اكتسبت الجغرافيا الاستراتيجية بعدًا أكثر وضوحًا، خصوصًا في ما يتعلق بالممرات البحرية الحيوية. فقد أصبح موقع إيران على طرق الطاقة العالمية ورقة ضغط أساسية، ليس فقط في إطار التهديد العسكري، بل أيضًا كأداة تفاوض اقتصادي وسياسي. وبهذا المعنى، لم يعد الحديث عن العقوبات أو الاتفاقات النووية وحده هو الإطار الحاكم، بل دخلت عناصر الملاحة والطاقة والرسوم البحرية في معادلة الردع.
في المقابل، كشفت الحرب عن اهتزاز في الثقة الإقليمية بالمنظومة الأمنية التقليدية التي تقودها الولايات المتحدة. فامتداد العمليات إلى محيط الخليج، وما رافقه من استهداف مصالح عسكرية، فتح نقاشًا في المنطقة حول مدى قدرة هذه المنظومة على توفير الحماية الفعلية في لحظات التصعيد الكبرى، وأعاد طرح أسئلة قديمة بصياغة جديدة حول توازنات الأمن الإقليمي.
أما على مستوى العلاقات الدولية، فقد برزت الصين بوصفها شريكًا أكثر حضورًا في التصورات الإيرانية لما بعد الحرب. فبدل الرهان على الانفتاح الكامل على الغرب، يتعزز اتجاه نحو الاندماج في فضاء اقتصادي وسياسي متعدد الأقطاب، تكون فيه بكين مركزًا رئيسيًا لإعادة الإعمار والاستثمار وإعادة التموضع.
داخليًا، لم تختفِ التوترات الاجتماعية، لكنها أعيدت صياغتها ضمن خطاب مختلف. فبدل الاستقطاب التقليدي حول الدين والثورة، برز خطاب يميل إلى تعزيز فكرة الهوية الوطنية الشاملة. أصبح الدفاع عن البلاد، لا عن الثورة وحدها، هو الإطار الجامع الجديد، ما سمح للنظام بتوسيع قاعدة خطابه دون التخلي عن أدواته الأمنية.
هذا التحول لم يأتِ على شكل انفتاح سياسي حقيقي، بل في صورة عقد اجتماعي معدل: مساحة محسوبة من المرونة الاجتماعية مقابل استمرار قبضة أمنية صارمة. إنه توازن دقيق بين الحفاظ على السيطرة وتوسيع القدرة على الاستيعاب الداخلي في مجتمع مثقل بالضغوط.
وفي الخارج، لم تتراجع شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، لكنها بدأت تُدار بمنطق مختلف. لم يعد الرابط الأيديولوجي وحده كافيًا، بل أصبح التنسيق قائمًا على حسابات المصلحة وتوزيع الأدوار ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى منع العزل وإبقاء جبهات متعددة مفتوحة عند الحاجة.
في المحصلة، لا تبدو إيران الخارجة من هذه الحرب امتدادًا مباشرًا لإيران السابقة. صحيح أنها لم تتحول إلى نموذج أكثر ليونة أو انفتاحًا، لكنها أصبحت أكثر صلابة وتنظيمًا وأشد اعتمادًا على بنيتها الأمنية والعسكرية. إنها دولة تتحرك اليوم بمنطق البقاء وإدارة القوة أكثر من منطق الثورة، وتعيد تعريف دورها الإقليمي عبر مزيج من القومية السياسية والواقعية الاستراتيجية.
وهكذا، فإن ما بعد الحرب لا يبدو مرحلة انكسار، بل لحظة إعادة صياغة. إيران الجديدة—كما تفرضها الوقائع لا الشعارات—ليست أقل حضورًا في الإقليم، بل أكثر قدرة على التأثير فيه، ولكن بأدوات مختلفة ولغة أقل أيديولوجية وأكثر برودًا وصرامة.