
خلف الأسلاك والحدود...
حين يتحول العالم إلى وطن بديل واللجوء إلى حكاية صمود:
في كل عام، يمرّ بنا "اليوم العالمي للاجئين" كأنه تذكير سنوي بوجع ممتد على خارطة الأرض، لكنه في عمقه ليس مجرد مناسبة لتأمل الأرقام الصادمة أو قراءة الإحصائيات التي تتصاعد بلا توقف، بل إنه موعد لمواجهة مرآة إنسانيتنا؛ تلك المرآة التي تعكس حكاية ملايين البشر الذين لم يختاروا يوماً أن يغادروا عتبات بيوتهم، بل دُفعوا دفعاً نحو المجهول، تاركين خلفهم مفاتيح بيوت قد لا يعودون إليها، وقصصاً دُفنت تحت الركام...
تبدأ الحكاية دائماً من لحظة فاصلة، لحظة يقرر فيها المرء أن يحزم حياته كلها في حقيبة واحدة، أو ربما يهرب بما عليه من ثياب، حيث يسير اللاجئ نحو المجهول مدفوعاً بغريزة البقاء، عابراً بحاراً لا ترحم، وحدوداً شائكة تخبرها الأسلاك أن الإنسانية تتوقف هنا. وفي تلك الرحلة، لا يفقد اللاجئ وطنه الجغرافي فحسب، بل يفقد معالم هويته اليومية: رائحة القهوة في الصباح، تفاصيل الشارع القديم، والأمان البسيط الذي نعتبره جميعاً من المسلمات...
ومع ذلك، فإن السردية الشائعة التي تحصر اللاجئ في كونه مجرد "ضحية مسلوبة الإرادة" أو "عبء اقتصادي" هي سردية قاصرة وظالمة، إن اللاجئ في حقيقته هو رمز خارق للمقاومة والأمل، إنه الشخص الذي يملك الشجاعة ليبدأ من الصفر في أرض لا تتحدث لغته، وتحت سماء لا تشبه سماء طفولته، إنهم الأطباء، والمهندسون، والفنانون، والأمهات، والأطفال الذين يحملون في عقولهم وقلوبهم طاقات قادرة على إعمار بلدان اللجوء إن وُجدت البيئة المحتضنة...
لذا:
فإن هذا اليوم لا يجب أن يكون منصة لتبادل عبارات الشفقة، فالشفقة شعور عابر لا يبني مستقبلاً، فما يحتاجه اللاجئون اليوم هو (العدالة والتضامن المؤسسي) فهم يحتاجون إلى اعتراف حقيقي بحقوقهم الإنسانية، وإلى فتح الأبواب المغلقة، وتوفير فرص التعليم والعمل التي تحفظ كرامتهم. إن دمج اللاجئين في المجتمعات المضيفة ليس عملاً خيرياً، بل هو استثمار في الإنسانية ذاتها، وتحويل لمأساة الفقد إلى طاقة بناء مشتركة...
حين ننظر إلى خارطة العالم اليوم، ندرك أن اللجوء ليس أزمة "آخرين" بعيدين عنا، بل هو انعكاس لخلل عالمي قد يطال أيّاً منا في أي لحظة، فالأوطان ليست قلاعاً أبدية، والحروب والكوارث لا تستأذن أحداً...
"إن حماية اللاجئ والوقوف معه ليست منّة يقدمها العالم، بل هي الواجب الأخلاقي الأسمى الذي يحدد مدى تحضرنا كجنس بشري."..
في اليوم العالمي للاجئين، دعونا لا ننظر إلى الخلف بنظرة بؤس، بل لننظر إلى الأمام بنظرة إجلال لكل خطوة مشاها لاجئ نحو الأمان. ولنتذكر دائماً أن الوطن ليس مجرد بقعة أرض، بل هو الكرامة والأمان؛ وحين يُحرم إنسان من وطنه، يصبح العالم كله مسؤولاً عن تعويضه.