
الميثاق الوطني لاسترداد الأموال العامة المنهوبة وإدارتها في مرحلة العدالة الانتقالية
ورقة سياسات وطنية مقترحة
إعداد:
د. صلاح قيراطة
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
"لا تُقاس هيبة الدول بعدد السجون التي تملؤها، بل بقدرتها على استعادة حقوق شعوبها، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة المال العام إلى أصحابه."
ليست العدالة الانتقالية مجرد محاكمات جنائية، ولا هي مجرد تغيير في بنية السلطة أو تداول للأسماء والمناصب، بل هي عملية تاريخية متكاملة تعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على سيادة القانون، والمساءلة، والشفافية، وصون المال العام...
ولعل أخطر ما ورثته الدولة السورية الجديدة عن العقود الماضية ليس الدمار العمراني وحده، ولا الانقسام المجتمعي فحسب، بل منظومة واسعة من النهب المنظم للثروة الوطنية، تحولت خلالها مقدرات الشعب إلى ملكيات خاصة، وانتقلت أموال السوريين من خزينة الدولة إلى حسابات مصرفية سرية، وإلى قصور وفيلات وشركات وعقارات داخل سوريا وخارجها...
لقد كنا، منذ سنوات طويلة، ندعو إلى ملاحقة هذه الأموال واستردادها، وركزنا آنذاك على قضية رفعت الأسد بوصفها النموذج الأكثر وضوحاً لتوظيف المال العام المنهوب في بناء إمبراطورية عقارية خارج البلاد. ولم يكن اختيار هذا الملف مصادفة، بل لأنه كشف للعالم كيف أمكن لأموال السوريين أن تجد طريقها إلى أوروبا، وأن تتحول إلى قصور ومزارع وفنادق واستثمارات، في ظل منظومات قانونية ومالية سمحت، بقصد أو بغير قصد، بمرور الأموال المشبوهة وإعادة تدويرها...
ومع التحولات السياسية التي شهدتها سورية، لم يعد هذا الملف يحتمل التأجيل أو المعالجة الانتقائية، ولم يعد مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل أصبح استحقاقاً وطنياً وأحد أهم الاختبارات التي ستحدد مدى جدية الدولة الجديدة في بناء نموذج مختلف للحكم...
فالعدالة لا تتحقق بمجرد محاكمة المسؤولين عن الجرائم، بل تكتمل عندما يعود المال الذي نُهب من الشعب إلى الشعب نفسه...
ولذلك فإن الحديث اليوم يجب ألا يقتصر على أموال رفعت الأسد وحدها، وإنما يمتد إلى جميع الأصول التي استولت عليها شبكات الفساد المرتبطة بالسلطة، سواء كانت تعود إلى أفراد من عائلة الأسد، أو إلى آل مخلوف، وشاليش، والأخرس، أو إلى كبار المنتفعين وتجار الحروب الذين راكموا ثرواتهم مستفيدين من غياب القانون ومن احتكار الدولة...
إن هذه الممتلكات ليست مجرد أملاك خاصة، بل هي في جوهرها جزء من المال العام الذي جرى الاستيلاء عليه بوسائل غير مشروعة، وهو ما يفرض على الدولة الجديدة العمل على استردادها وفق أحكام القضاء وسيادة القانون، بعيداً عن روح الانتقام أو المصادرة الاعتباطية. فهذه المبادرة لا تدعو إلى انتهاك حقوق الملكية، ولا إلى مصادرة خارج الأطر القانونية، وإنما تنطلق من مبدأ قانوني راسخ يقضي بأن كل أصل يثبت القضاء اكتسابه نتيجة الفساد، أو استغلال النفوذ، أو الإثراء غير المشروع، يصبح مالاً عاماً واجب الاسترداد. وسيادة القانون هي الضمانة الوحيدة لنجاح العدالة الانتقالية، وهي التي تميز الدولة عن الانتقام، والمؤسسات عن الفوضى...
لقد استقبل السوريون بإيجابية الأنباء التي تحدثت عن إصدار قرارات بالحجز الاحتياطي على بعض الأموال والأصول، إلا أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية، فالناس لا تريد الاكتفاء بقرارات تحفظ في الأدراج، وإنما تنتظر سياسة وطنية واضحة تقوم على المكاشفة الكاملة...
- أين هي القوائم الرسمية للأصول المحجوزة؟..
- وما حجمها الحقيقي؟..
- وأين مواقعها؟..
- وكم تبلغ قيمتها؟..
وما هي الآلية التي ستدار بها؟..
- وكيف سيُضمن عدم انتقالها من منظومة فساد قديمة إلى منظومة مصالح جديدة؟..
إن غياب الشفافية في هذا الملف يهدد بإضعاف الثقة بالدولة، ويمنح الشائعات مساحة أوسع من الحقائق، وهو أمر لا ينسجم مع فلسفة الجمهورية الجديدة التي ينبغي أن تقوم على المشاركة المجتمعية والرقابة الشعبية...
وانطلاقاً من ذلك، أتقدم بهذه المبادرة الوطنية، وأدعو الحكومة الانتقالية إلى تبنيها بوصفها ورقة سياسات عامة قابلة للتنفيذ...
أولاً:
إنشاء الهيئة السورية العليا لاسترداد الأموال المنهوبة، على أن تكون هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، تضم قضاة وخبراء ماليين وقانونيين وممثلين عن الأجهزة الرقابية، وتتولى حصر جميع الأموال والأصول داخل سوريا وخارجها، والتنسيق مع الدول والمنظمات الدولية لاستردادها وفق الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الفساد واسترداد الموجودات...
ثانياً:
إنشاء السجل الوطني للأصول المستردة، على شكل منصة إلكترونية رسمية تنشر بصورة دورية جميع الأصول التي صدرت بشأنها أحكام أو قرارات نهائية، مع بيان طبيعتها وقيمتها وآلية إدارتها، بما يضمن أعلى درجات الشفافية، ويجعل المواطن شريكاً في الرقابة على المال العام...
ثالثاً:
إطلاق المزاد الوطني العلني بعد استكمال جميع الإجراءات القضائية واكتسابها الدرجة القطعية، تُطرح الأصول التي تقرر الدولة بيعها في مزادات علنية مفتوحة تُبث مباشرة عبر التلفزيون والمنصات الرقمية...
ولا يمثل هذا المزاد مجرد وسيلة لزيادة إيرادات الدولة، بل يشكل حدثاً وطنياً يعكس انتصار القانون على الفساد، ويحول العدالة من نصوص جامدة إلى مشهد يراه السوريون جميعاً. فالمواطن الذي حُرم لعقود من معرفة مصير ثرواته، من حقه أن يرى بأم عينه كيف تتحول قصور الاستبداد إلى مدارس، ومستشفيات، وجامعات، ومشاريع إنتاجية تخدم أبناءه...
رابعاً:
إنشاء صندوق سيادي لإعادة الإعمار والتنمية بحيث تودع فيه حصراً جميع الأموال والعائدات الناتجة عن بيع الأصول المستردة، ويخصص لتمويل إعادة بناء البنية التحتية، والمدارس، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء، وتعويض المتضررين، مع نشر تقارير مالية دورية تخضع للمراجعة المستقلة...
خامساً:
إخضاع الهيئة والصندوق لرقابة مستقلة وذلك من خلال القضاء، والأجهزة الرقابية، وهيئات التدقيق المالي، بما يمنع إعادة إنتاج الفساد تحت أي عنوان، ويضمن أن تبقى الأموال المستردة ملكاً للشعب السوري وحده...
إن هذه المبادرة لا تنطلق من فراغ، ولا تمثل فكرة غير مسبوقة، بل تستند إلى خبرات وتجارب دولية في مجال العدالة الانتقالية واسترداد الأموال العامة، حيث نجحت دول عديدة، بدرجات متفاوتة، في إنشاء هيئات مستقلة لاستعادة الموجودات المنهوبة وربطها ببرامج إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي. ومن هنا، فإن الاستفادة من هذه الخبرات، مع مراعاة خصوصية الحالة السورية، ستمنح المشروع بعداً قانونياً ومؤسسياً يعزز ثقة المجتمع الدولي في جدية الدولة السورية الجديدة، ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون في ملاحقة الأموال المهربة واستعادتها...
إن هذه المبادرة ليست دعوةً لبيع عقارات أو تصفية ممتلكات، بل هي مشروع وطني لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسها، فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تسمح بأن تبقى ثرواتهم المنهوبة رهينة الغموض، ولا أن تتحول الأصول المصادرة إلى غنائم جديدة تتداولها مراكز النفوذ، بل تجعلها ملكاً عاماً يُدار في وضح النهار، وتحت رقابة القضاء والرأي العام، وبما يحقق أعلى معايير الشفافية وسيادة القانون...
شخصياً:
انت لا انظر الى العدالة الانتقالية على انها انتقاماً من الماضي، وإنما تأسيسٌ للمستقبل، وهي لا تكتمل بمحاكمة الأشخاص، بل باسترداد المال العام، وإعادته إلى وظيفته الطبيعية في خدمة المجتمع، وتحويله إلى مدارس، ومستشفيات، وجامعات، وبنية تحتية، ومشاريع تنموية تعيد للسوريين ما حُرموا منه لعقود...
ولأن سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسساتها على أسس جديدة، فإن استرداد الأموال المنهوبة يجب أن يكون مشروعاً وطنياً جامعاً، لا يخضع للمساومات السياسية، ولا للمصالح الضيقة، بل يستند إلى أحكام القضاء، وإلى مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة...
إن نجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بعدد من يمثلون أمام المحاكم، بل بقدرة الدولة على إعادة الحقوق إلى أصحابها، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وإثبات أن المال العام لم يعد ملكاً للحاكم، بل أمانة في يد الدولة لصالح الشعب...
فالدولة التي تعجز عن استرداد أموال شعبها، ستعجز غداً عن استرداد ثقته، أما الدولة التي تجعل من المال العام أمانةً مقدسة، فإنها تضع أول حجر في بناء جمهورية القانون، لا جمهورية الأشخاص...
وعندما تتحول قصور الفساد إلى مدارس، ومستشفيات، وجامعات، ومراكز أبحاث، ومشاريع إنتاجية، سيدرك السوريون أن العدالة الانتقالية لم تعد شعاراً سياسياً يُرفع في الخطب، بل أصبحت واقعاً يُبنى بالحكمة والقانون والإرادة الوطنية.
د. صلاح قيراطة
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية