--:--
فيدان: قادة أوروبا يدركون تهديد إسرائيل لكنهم يفتقرون لآلية التعامل معه. وندين السلوك الإسرائيلي بالمنطقة، كما نشكك برغبة تل أبيب في رؤية سوريا مستقرة وقوية، وأي عرقلة لتقدمها ستغير الوضع. بغداد ترسل رسائل حازمة إلى طهران بشأن السلاح المنفلت والفصائل المسلحة، وفق تسريبات نقلتها شبكة الحرة عن مصادر عراقية. التحرك يعكس توجهاً لتعزيز سيادة الدولة وإعادة صياغة العلاقة مع إيران على أساس الند

قصور "المرابي" وعوز الضحية: لماذا يتلعثم قطار العدالة الانتقالية أمام عقارات الأسد وحيتانه

Salah Kirata • ١١‏/٧‏/٢٠٢٦

55856.png

قصور "المرابي" وعوز الضحية:
 لماذا يتلعثم قطار العدالة الانتقالية أمام عقارات الأسد وحيتانه؟

​بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات.

​منذ سنوات، وقبل أن تتهاوى عروش "العائلة المغتصبة" تحت أقدام السوريين، رفعت من خلال تجمع كنت قد شكلتها، وفشل فشلا ذريعاً، علما اني  أردت له أن يكون وطنيا، في وقتها ضمنت البيان التأسيسي ضرورة ملاحقة ومصادرة الأموال السورية المنهوبة والمودعة في خزائن أوروبا ومصارف دبي وسواها. كنا نفعل ذلك بذكاء المناورة السياسية؛ نموّه الطرح أحياناً ونحيله بكليته إلى ما نهبه "رفعت الأسد"، كشاهد إثبات صارخ على التواطؤ الدولي، حيث قبلت دول كفرنسا وإسبانيا لسنوات أن تُغسل أموال السوريين المسروقة على أراضيها، لتتحول إلى قصور وفلل ومزارع خيول ليعيش "ابن ناعسة" ترفاً لا يستحقه على حساب جراحنا...

​ومع تغير الخارطة السياسية، طرحنا مبادرة وطنية تزامناً مع الحراك الدبلوماسي الفرنسي والدولي تجاه دمشق الجديدة، بضرورة أن تعيد فرنسا أموال رفعت المنقولة وغير المنقولة لتوجيهها مباشرة لإعادة بناء البنى التحتية التي دمرتها الحرب. لكن اليوم، وبعد مرور نحو عام وسبعة أشهر على سقوط النظام، لم يعد الطرح يحتمل المناورة، ولم تعد المبادرة مجرد مقترح دبلوماسي، بل هي قضية وطنية بامتياز، تقع في صلب ذمة وأولويات الحكومة الانتقالية. .

​إن توسيع هذه المبادرة اليوم بات ضرورة يمليها الواقع المأزوم؛ فالأمر لا يقتصر على رفعت، بل يمتد إلى إمبراطورية العقارات والقصور والفلل الفارهة التي تملكها عائلة الأسد والعائلات التي دارت في فلكها من آل مخلوف وشاليش والأخرس، ناهيك عن تجار الحروب وحيتان المال الذين امتصوا دماء السوريين لسنوات. هذه العقارات التي تمتد من ريف دمشق إلى ثنايا الساحل السوري، تمثل أصولاً وطنية جُمدت فيها أموال الشعب...

​منذ قرابة أربعة أشهر، خرج علينا باسل السويدان، رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، بتصريح لمجلة "المجلة" يتحدث فيه عن صدور قرارات حجز احتياطي على أموال وأصول تعود إلى بشار وماهر الأسد وأركان نظامهم. ورغم أهمية الخطوة، إلا أن السوريين سئموا "القرارات الدفترية" والغرف المغلقة؛ فلا توجد حتى الآن قوائم تفصيلية معلنة للجمهور، ولا توجد مكاشفة حقيقية تليق بحجم الثورة والتضحيات...

​السوريون يخشون - وبحق - أن تتبخر هذه الأصول خلف الكواليس، أو أن يلف الضباب مصير آلاف القصور، تماماً كما يلف حتى اللحظة مصير السيارات الفارهة ( التي كان يملك ماهر الأسد وحده أكثر من 1350 سيارة منها على سبيل المثال لا الحصر )، لذا فإن غياب الشفافية في هذا الملف هو تكرار لإنتاج منظومة المحسوبيات، وهو ما لا يمكن القبول به في سوريا المستقبل...

​من هنا، نطرح مقترحاً وطنياً جاداً: مصادرة هذه القصور والفلل والممتلكات فوراً، وتحويلها إلى أصول عامة، ومن ثم بيعها في "مزاد علني شفاف" يُبث على الهواء مباشرة عبر الشاشات والفضائيات السورية...

​إن هذا المزاد الفضائي ليس مجرد عملية اقتصادية لرفد خزينة الدولة وإعادة إعمار المدارس والمستشفيات، بل هو "محاكمة علنية بصرية" لحقبة الفساد. إنه تحويل للعدالة من نصوص جافة في أروقة المحاكم إلى مشهد يراه كل مواطن سوري؛ يرى كيف تعود أموال الجلاد لتبني بيت الضحية، وكيف تتحول قلاع الاستبداد إلى حجر أساس في نهضة الاقتصاد الوطني.

​ختاماً:
إن العدالة الانتقالية لا تكتمل بالقصاص من الأشخاص وإيداعهم السجون فحسب، بل تبدأ باسترداد قوت الشعب المنهوب وتوظيفه في مداواة جراحه. على الحكومة الانتقالية أن تدرك أن قصور الطغاة في دمشق والساحل هي ملكية عامة مغتصبة، وأن تسييل هذه الأموال وتحويلها إلى مشاريع تنموية تحت عين الشمس وبمنتهى الشفافية هو الاختبار الحقيقي لجدية العهد الجديد. لم نثق يوماً بالوعود الدبلوماسية، ولن نرتضي اليوم بقرارات حجز تبقى حبيسة الأدراج؛ إن أموال السوريين يجب أن تعود إلى السوريين، وبث المزاد العلني هو الخطوة الأولى لاستعادة الكرامة الوطنية المنهوبة.