--:--
وزير الدفاع الإسرائيلي يهدد الضاحية الجنوبية لبيروت: أي استهداف للشمال سيقابله رد على لبنان الجيش الإسرائيلي: نستعد لعدة أيام من القتال مع إيران وسط تصعيد متبادل سقوط أجزاء من بعض الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران تجاه إسرائيل، في أراض زراعية في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا #ألبوم قاليباف: “لغة القوة” تحكم سلوك إسرائيل والولايات المتحدة في لبنان

من فصل الساحات إلى وحدة الجبهات: قراءة في تحولات الردع الإقليمي

Salah Kirata • ٨‏/٦‏/٢٠٢٦


42295.png

من فصل الساحات إلى وحدة الجبهات: قراءة في تحولات الردع الإقليمي
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

شهد الشرق الأوسط خلال العقود الماضية سلسلة من الحروب والمواجهات التي حكمتها قاعدة شبه ثابتة تقوم على فصل الساحات عن بعضها البعض، بحيث تبقى كل جبهة محكومة بحدودها الجغرافية والسياسية والعسكرية، ويتحمل كل طرف منفرداً تبعات المواجهة التي تدور على أرضه. غير أن التطورات المتسارعة التي أعقبت الحرب على غزة وما رافقها من اتساع رقعة الاشتباك في أكثر من ساحة إقليمية، تشير إلى أن المنطقة قد تكون بصدد الانتقال إلى مرحلة مختلفة تتغير فيها طبيعة الردع وقواعد الاشتباك التي استقرت لسنوات طويلة.

في هذا السياق، يكتسب الرد الإيراني الذي جاء عقب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أهمية تتجاوز أبعاده العسكرية المباشرة. فبعيداً عن حجم الضربة أو نتائجها الميدانية، برزت دلالة أكثر عمقاً تتمثل في تكريس مفهوم جديد لإدارة الصراع، يقوم على اعتبار أن أمن الجبهات المختلفة لم يعد منفصلاً كما كان في السابق، وأن استهداف أي طرف ضمن منظومة التحالفات الإقليمية قد يفضي إلى تفاعلات تتجاوز حدود الساحة المستهدفة.

لقد أظهرت الحرب الدائرة منذ أشهر أن الجغرافيا السياسية للصراع لم تعد تخضع لمنطق الحدود التقليدية. فالجبهة اللبنانية، والعمليات المرتبطة بالبحر الأحمر، والتحركات العسكرية في العراق وسوريا، جميعها عكست واقعاً جديداً يقوم على تداخل الساحات وتبادل التأثير بينها. وبدلاً من أن تبقى المواجهات محصورة في نطاقها المحلي، أصبحت جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات الأمنية والعسكرية والسياسية بصورة غير مسبوقة.

هذا التحول يحمل في طياته تغييراً جوهرياً في مفهوم الردع. ففي المراحل السابقة كان صانع القرار العسكري يستطيع تقدير نتائج أي عملية ضمن نطاق جغرافي محدد، أما اليوم فإن حسابات الكلفة والمخاطر أصبحت أكثر تعقيداً. فالقرار الذي يُتخذ ضد طرف معين لم يعد من السهل حصر تداعياته في ذلك الطرف وحده، بل باتت احتمالات اتساع دائرة الردود والتفاعلات جزءاً أساسياً من عملية التقدير الاستراتيجي.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم وحدة الجبهات بوصفه أداة لإعادة توزيع عناصر القوة داخل الصراع. فالقوة في الحروب الحديثة لا تقاس فقط بحجم القدرات العسكرية أو التفوق التكنولوجي، وإنما بمدى القدرة على خلق بيئة استراتيجية تجعل الخصم عاجزاً عن التنبؤ الكامل بنتائج أفعاله. وكلما ازدادت درجة الترابط بين الساحات المختلفة، ازدادت صعوبة فرض معادلات أحادية الجانب أو تحقيق أهداف الحرب عبر الضغط على جبهة منفردة.

كما أن هذا الواقع يبعث برسائل متعددة الاتجاهات. فهو يمنح القوى المنخرطة في المواجهة شعوراً أكبر بالتماسك السياسي والاستراتيجي، ويؤكد أن الضغوط الواقعة على إحدى الجبهات لا تعني بالضرورة عزلها عن محيطها. وفي المقابل، يفرض على الخصوم إعادة النظر في تقديراتهم التقليدية، لأن أي خطوة عسكرية قد تفتح مسارات تصعيد لم تكن واردة في الحسابات الأولية.

وتاريخياً، أثبتت تجارب المنطقة أن الحروب لا تُحسم دائماً بالسيطرة على الأرض أو بالتفوق الناري وحده. فقد أظهرت تجارب لبنان وغزة خلال العقود الأخيرة أن القدرة على الصمود وإفشال الأهداف السياسية للحرب قد تتحول إلى عنصر حاسم في تحديد نتائجها. ولذلك فإن التحولات الراهنة تبدو أقرب إلى إعادة تعريف لمفهوم النصر ذاته، بحيث يصبح تعطيل أهداف الخصم وإرباك حساباته الاستراتيجية جزءاً أساسياً من معادلة النجاح.

ومع ذلك، فإن صعود مفهوم وحدة الجبهات لا يعني بالضرورة أن المنطقة تتجه حتماً نحو مواجهة شاملة، بل يشير إلى أن أدوات الردع أصبحت أكثر تشابكاً وتعقيداً. فكلما ارتفع مستوى الترابط بين الساحات، ازدادت القدرة على منع الخصوم من اتخاذ قرارات عسكرية سهلة، وفي الوقت نفسه ارتفعت حساسية المشهد الإقليمي تجاه أي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير للمواقف.

إن السؤال الأهم الذي تطرحه المرحلة الراهنة لا يتعلق بحجم الضربات المتبادلة أو طبيعة الردود العسكرية الآنية، بل بما إذا كانت المنطقة تشهد بالفعل ولادة نظام ردع جديد يقوم على تداخل الجبهات ووحدة المصالح الأمنية. وإذا ما استمرت هذه الديناميكية في التبلور خلال السنوات المقبلة، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفها منذ نهاية الحرب الباردة، مرحلة تصبح فيها الساحات المتعددة جزءاً من معادلة استراتيجية واحدة يصعب فصل عناصرها أو التعامل معها بصورة منفردة.

تبقى التحولات الجارية في قواعد الاشتباك الإقليمية رهناً بقدرة الأطراف المختلفة على ترجمة مواقفها السياسية إلى وقائع ميدانية مستدامة. غير أن المؤكد هو أن المنطقة لم تعد تعمل وفق المعادلات التي حكمتها خلال العقدين الماضيين. فكل تطور جديد يكشف عن تراجع فعالية الحدود التقليدية بين الساحات، مقابل صعود أنماط أكثر تشابكاً في إدارة الصراع. وفي حال استمرت هذه الديناميكية بالتبلور، فقد يكون الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة يعاد فيها تعريف مفاهيم الردع والتوازن والحرب بصورة تختلف جذرياً عما عرفته الأجيال السابقة.