
سورية بين الغلبة والمواطنة...
المعركة التي لم تبدأ بعد:
من باب البراغماتية، بل من باب البراغماتية المفرطة إن شئتم، سأضع جانباً جذور هيئة تحرير الشام ذات الصبغة الجهادية، ولن أتوقف عند سجلها خلال سنوات الحرب وما حفلت به تلك السنوات من ممارسات وأعمال إجرامية يعرفها السوريون جميعاً... وسأتجاوز أيضاً النقاش الطويل حول أبي محمد الجولاني، الذي أعيد تقديمه للرأي العام تحت اسم أحمد الشرع بعد رحلة معقدة من التحولات السياسية والإعلامية وصناعة الصورة الجديدة، كما لن أناقش مسألة حكومة اللون الواحد، ولن أخوض في تفاصيل بنيتها أو آليات تشكلها أو طبيعة التوازنات التي أنتجتها...
بل:
سأعترف مفترضاً أن الحرب قالت كلمتها، وأن موازين القوى هي التي رسمت المشهد الراهن، وأن ما نعيشه اليوم ليس سوى أحد تجليات النتائج التي انتهت إليها سنوات الصراع الطويلة، غير أن ثمة قضية لا يمكن القفز فوقها أو اعتبارها تفصيلاً ثانوياً، لأنها تمس جوهر المستقبل السوري نفسه، وتتعلق بطبيعة الدولة التي يجري تأسيسها أو إعادة تشكيلها أمام أعيننا...
لأتحدث هنا عن الحاضنة الضيقة التي تبدو يوماً بعد يوم أكثر انغلاقاً وأكثر ثقة بمنطق الغلبة، وأكثر استعداداً للتعامل مع النصر العسكري أو السياسي بوصفه تفويضاً مفتوحاً لإعادة تعريف الدولة والمجتمع وفق رؤيتها الخاصة...
المشكلة ليست في وجود مؤيدين أو قاعدة اجتماعية لأي سلطة قائمة، فهذه ظاهرة طبيعية في كل التجارب السياسية، فالمشكلة تبدأ عندما تتحول الحاضنة إلى ذهنية، وتتحول الذهنية إلى ثقافة، وتتحول الثقافة إلى اعتقاد راسخ بأن من يملك القوة يملك الحق، وأن من انتصر يحق له أن يعيد توزيع الوطنية وأن يمنح صكوك الانتماء وأن يحتكر تعريف المصلحة العامة...
هذه ليست مجرد مشكلة سياسية عابرة، بل هي أزمة أخلاقية وقانونية وحضارية في آن واحد، إنها نقيض كامل لمفهوم المواطنة، من ألفه إلى يائه، ونقيض لفكرة الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة بين المواطنين لا على التمييز بينهم وفق قربهم أو بعدهم من السلطة، والأخطر من ذلك أنها تؤسس، بقصد أو بغير قصد، لانغلاق بقية المكونات السورية على نفسها، لا بوصفه خياراً أيديولوجياً بل بوصفه رد فعل دفاعياً على شعورها بالإقصاء أو التهميش...
والمفارقة المؤلمة أن هذا الانغلاق لا يقتصر على المكونات القومية أو الدينية أو الطائفية الأخرى، بل يمتد أيضاً إلى قطاعات واسعة من العرب السنة أنفسهم؛ أولئك الذين لا يبحثون عن غلبة جديدة ولا عن هيمنة بديلة، بل يؤمنون بفكرة الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على عقد اجتماعي جامع يجعل المواطنة المرجعية العليا والوحيدة للعلاقة بين الفرد والدولة...
لقد بات واضحاً بالنسبة لي أن المرض السوري أعمق بكثير من مجرد صراع على السلطة، إنه مرض مزمن يتمثل في الميل الدائم إلى الانكفاء نحو الهويات الفرعية كلما ضعفت الهوية الوطنية الجامعة. فالمكونات السورية، على اختلافها، اعتادت أن تنغلق على نفسها عندما تشعر بالخوف أو التهديد، سواء كانت تدّعي المظلومية أو تمارسها، وسواء كان انغلاقها سبباً أم نتيجة لخطابات الكراهية والتحريض والعدوانية المتبادلة...
وهكذا تتكرر الحلقة ذاتها مرة بعد أخرى، جماعة تخاف فتنكفئ، جماعة تنتصر فتستعلي، جماعة تشعر بالإقصاء فتنتظر الفرصة المناسبة للرد، ثم تعود البلاد إلى نقطة البداية وكأن التاريخ السوري محكوم بإعادة إنتاج أزماته بصورة دائمة...
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق أنني أصبحت مضطراً للاعتراف بأن مفهوم الدولة المدنية بمعناه العصري ما يزال بعيداً عن الثقافة الجمعية لغالبية السوريين، لا أقول ذلك من باب اليأس أو التشاؤم، بل من باب القراءة الواقعية لمسار طويل من التشوهات السياسية والاجتماعية التي عاشتها البلاد...
فالسوريون يخرجون اليوم من تجربة لم يكن فيها الاستبداد مجرد نظام حكم، بل كان عملية اختطاف متكاملة للدولة، جرى خلالها اختطاف الطائفة العلوية نفسها واستخدامها درعاً للنظام، ثم اختطاف الجيش من خلال تلك المعادلة، ثم اختطاف الحزب، ثم اختطاف مؤسسات الدولة والمجتمع بأكمله لمصلحة دائرة ضيقة من السلطة...
وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها شديدة الأهمية، وهي أنني أنظر إلى العائلية السياسية باعتبارها ظاهرة أخطر من الطائفية نفسها. فالطائفية، على ما فيها من خراب وتمزيق، تدّعي على الأقل تمثيل جماعة واسعة. أما العائلية السياسية فلا تمثل إلا ذاتها، إنها تستخدم الطائفة والعشيرة والحزب والجيش والدولة والمجتمع كأدوات في خدمة بقائها، وتحول المجال العام بأكمله إلى ملكية خاصة...
ولهذا أرى أن العائلية السياسية ليست فقط شكلاً من أشكال الفساد السلطوي، بل هي أكثر انحطاطاً وأشد خطراً من الطائفية ذاتها، لأنها تفرغ الدولة من معناها وتحولها إلى امتداد لشبكة مصالح ضيقة لا تعترف بأي معيار سوى استمرار نفوذها...
ومن هنا فإن ما أدعو إليه اليوم لا يتعلق بخلاف سياسي عابر ولا بموقف من هذا الطرف أو ذاك، بل بضرورة إدراك الخطر الكامن في استمرار منطق الغلبة، وأعتقد أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومة الانتقالية، التي يفترض أن تتخذ إجراءات واضحة وصريحة تحد من نفوذ وسلوك أولئك الذين ما زلت أصفهم بـ "جماعة أحمدنا"، أي الذين يضعون انتماءهم الضيق في مواجهة الانتماء الوطني الجامع، ويتعاملون مع سورية باعتبارها غنيمة سياسية لا وطناً يتسع لجميع أبنائه...
إن استمرار هذا المسار لن يقود إلى استقرار حقيقي مهما بدا المشهد هادئاً على السطح. فالاستقرار لا يقاس بغياب المعارك فقط، بل بوجود رضا سياسي واجتماعي يسمح للناس بالشعور أنهم شركاء في وطنهم، أما عندما تشعر الجماعات المختلفة أنها مستبعدة أو مهمشة أو مهددة، فإنها تلجأ إلى ما يشبه التقية السياسية؛ تُظهر القبول وتُخفي الرفض، وتنتظر اللحظة التي تتغير فيها الظروف لإعادة الكرّة من جديد...
وعند تلك النقطة لن يكون ما نراه اليوم سوى هدنة مؤقتة بين جولة وأخرى من الصراع، وسيصبح كل ما يُبنى أو يُرمم عرضة للانهيار مرة أخرى، فالمؤسسات التي تُقام في ظل غياب الثقة تبقى هشة، والاقتصاد الذي يُبنى فوق انقسامات عميقة يبقى هشاً، والمجتمع الذي يشعر بعض أبنائه أنهم غرباء في وطنهم يبقى مشروع أزمة مؤجلة لا أكثر...
إن الدول لا تستقر بالغلبة مهما بلغت قوتها، لأن الغلبة تنتج غالباً ومغلوباً، بينما تنتج المواطنة شركاء متساوين، والدول التي تُبنى على فكرة الشراكة تستطيع تجاوز أزماتها، أما الدول التي تُبنى على فكرة الانتصار الدائم فإنها تبقى أسيرة الخوف من هزيمة قادمة...
لهذا أعتقد أن التحدي الحقيقي الذي يواجه سورية اليوم ليس إعادة إعمار الأبنية المهدمة، بل إعادة إعمار الفكرة الوطنية نفسها، فالحجارة يمكن تعويضها، والطرق يمكن إصلاحها، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها، أما الثقة التي تهدمت بين أبناء الوطن فلا يمكن ترميمها إلا بالعدالة والمساواة والشعور الصادق بالشراكة...
هذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظر السوريين، وهي، في تقديري، المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض، أما ما عداها فليس سوى تأجيل جديد للأزمة، وإعادة إنتاج جديدة للمأساة، مهما اختلفت الأسماء والرايات والوجوه.