سورية بين هندسة الفوضى وسقوط أساطير القوة: من كوهين إلى أحمد الشرع

Salah Kirata • ١٩‏/٦‏/٢٠٢٦


48618.png

سورية بين هندسة الفوضى وسقوط أساطير القوة:
 من كوهين إلى أحمد الشرع...

في قراءة التاريخ الحديث لسورية، يبدو أن كثيراً من السرديات التي حكمت الوعي السياسي العربي لعقود تتعرض اليوم لاختبار قاسٍ، فالدولة التي قُدِّمت بوصفها إحدى قلاع "الممانعة" و"الصمود" انتهت إلى واحدة من أكثر الساحات تشظياً وانقساماً في العصر الحديث، فيما وصلت إلى السلطة قوى لم يكن كثيرون يتصورون قبل سنوات أنها ستصبح جزءاً من المشهد الرسمي للدولة السورية...

من هذه الزاوية، يمكن القول إن الإسلاميين في سورية لم يصلوا إلى السلطة نتيجة انتصار عسكري حاسم فرضوه على خصومهم، بل نتيجة تداخلات إقليمية ودولية معقدة، شاركت فيها قوى كبرى ودول إقليمية، وتقاطعت عند نقطة إعادة تشكيل المشهد السوري بعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف، وفي منطقة تتداخل فيها المصالح الدولية إلى هذا الحد، يصعب تصور غياب إسرائيل عن متابعة هذه التحولات أو التأثر بنتائجها، حتى وإن ظل حجم دورها الحقيقي موضع نقاش واختلاف...

وعند العودة إلى تجربة حافظ الأسد، يبرز سؤال جوهري: 
- هل انتهت السياسات التي حكمت سورية منذ عام 1970 إلى النتيجة المعاكسة تماماً لما رُفع من شعارات؟..

فبعد أكثر من نصف قرن من حكم الحزب الواحد والأجهزة الأمنية وإقصاء الحياة السياسية الطبيعية، لم تنتهِ الدولة إلى نموذج وطني متماسك، بل إلى فراغ هائل ملأته الانقسامات الطائفية والمناطقية والأيديولوجية، وهنا تبدو المفارقة التاريخية لافتة؛ إذ إن النظام الذي قدم نفسه بوصفه سداً منيعاً في مواجهة الإسلام السياسي، ترك وراءه ظروفاً ساهمت في صعود قوى ذات مرجعية إسلامية إلى واجهة السلطة...

أما قصة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، فلا تزال واحدة من أكثر ملفات الاختراق الاستخباراتي إثارة في التاريخ العربي الحديث، لقد نجح الرجل في بناء شبكة علاقات واسعة داخل النخبة السياسية والعسكرية السورية في ستينيات القرن الماضي، وهو ما جعله رمزاً لقدرة الاستخبارات الإسرائيلية على النفاذ إلى البيئات المغلقة، غير أن المبالغة في تقدير تأثيره إلى درجة اعتباره صانعاً لمستقبل سورية السياسي لعقود طويلة تبقى محل جدل بين الباحثين والمؤرخين، لأن مسار الدول تحدده عادة عوامل أكثر تعقيداً من شخص واحد أو عملية استخباراتية واحدة مهما كانت خطورتها...

ومن جهة أخرى، فإن الحديث المتكرر عن أصول عائلة الأسد أو انتمائها الديني أو العرقي يدخل غالباً في إطار السجالات السياسية أكثر من كونه جزءاً من التاريخ الموثق، فالنقد السياسي لأي نظام يجب أن يستند إلى ممارساته ونتائجه وسياساته، لا إلى فرضيات غير مثبتة حول أصول الحكام أو هوياتهم الشخصية...

وعند الانتقال إلى المرحلة الراهنة، يبرز اسم أحمد الشرع بوصفه أحد أبرز الوجوه التي أفرزتها التحولات السورية الكبرى، وهنا تتكرر الأسئلة ذاتها التي رافقت كثيراً من الشخصيات المثيرة للجدل في تاريخ المنطقة، فتظهر روايات وشائعات تتعلق بالأصول والانتماءات والارتباطات السرية، غير أن المنهج التاريخي الرصين يقتضي التمييز بين ما هو مثبت وما هو متداول...

فحتى اللحظة، لا توجد أدلة موثقة ومعترف بها تثبت الادعاءات التي تزعم أن أحمد الشرع يهودي الأصل أو أنه يمثل مشروعاً يهودياً داخل سورية، إن انتشار مثل هذه الروايات في البيئات المنقسمة والمأزومة ليس أمراً جديداً؛ فالتاريخ السياسي العربي مليء باتهامات مشابهة طالت قادة ومعارضين وحكاماً من اتجاهات مختلفة، وغالباً ما كانت تعبيراً عن الصراع السياسي أكثر من كونها نتائج لتحقيقات تاريخية موثقة.

لكن السؤال الأهم ربما لا يتعلق بأصول الأشخاص، بل بطبيعة المشاريع التي يحملونها والنتائج التي تترتب على وصولهم إلى السلطة، فالدول لا تنهض أو تنهار بسبب دين الحاكم أو نسبه، بل بسبب طبيعة المؤسسات التي يبنيها، والقدرة على تحقيق الاستقرار والعدالة والتنمية وصيانة السيادة الوطنية.

ومن هنا يمكن إعادة طرح السؤال بصيغة مختلفة:
-  هل نجحت إسرائيل في توجيه مسار الدولة السورية عبر عقود من الاختراقات والحروب والصراعات؟..
-  أم أن ما حدث كان في جوهره نتاجاً لأخطاء سورية داخلية تراكمت حتى انفجرت الدولة من الداخل؟..

ربما تكمن الإجابة في الجمع بين العاملين معاً، فالاختراق الخارجي لا ينجح إلا حين يجد بيئة داخلية قابلة للاختراق، كما أن مشاريع التفكيك لا تستطيع تحقيق أهدافها ما لم تصادف أنظمة عاجزة عن إنتاج الشرعية والاستقرار والتماسك الوطني.

لقد أثبتت التجربة السورية أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الجواسيس وحدهم، ولا المؤامرات الخارجية وحدها، بل اللحظة التي تتحول فيها هشاشتها الداخلية إلى فرصة تاريخية تتسابق القوى الخارجية لاستثمارها، وعند تلك النقطة، تصبح الحدود بين الفاعل الداخلي والخارجي أكثر ضبابية من أي وقت مضى، ويتحول الوطن إلى ساحة تتصارع فوقها المشاريع المتناقضة، بينما يدفع الشعب وحده الثمن الأكبر.