--:--
وزير الدفاع الإسرائيلي يهدد الضاحية الجنوبية لبيروت: أي استهداف للشمال سيقابله رد على لبنان الجيش الإسرائيلي: نستعد لعدة أيام من القتال مع إيران وسط تصعيد متبادل سقوط أجزاء من بعض الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران تجاه إسرائيل، في أراض زراعية في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا #ألبوم

وهم الخطوط الساخنة

Salah Kirata • ٨‏/٦‏/٢٠٢٦

44933.png


وهم الخطوط الساخنة:

في إحدى سنوات الحرب، وكنت أعيش في مدريد مع أسرتي كلاجئين، ليس خوفا بالنسبة لي بل اني لم اشأ أن كان قاتلا أو قتيلا، فكل يوم كنت سأبقى فيه في سورية بعد يوم مغادرتي كان يقبرني من أحد الخيارين بعد أن هدر ماسمي جيشا حرا دمي واباحه لمن يستطيع أن يصل لي اولاً، بدعوى أن ( من العرب السنة) الذين يواصلون النظام ويقفون معه ويتبنون سرديته وهكذا، نشروا صوري ودبجوا ما استطاعوا تدبيجه، وفعلا وصلت لمكان أن أقول أو اقتل وسيكون الفعل الاخير دفاعا عن النفس ليس إلا إلا أنه سيبقى في ثقافتي فعل قتل وانا ترفضه لأي من أبناء بلدي، فكنت حتى في معاني الأمنية ذات الطبيعة الميدانية استعرض القوة ولم استخدمها، ولكن أن تصدقوا اني مسدسي الذي لم يغادر مكانه تحت إبطي، وكذا بندقيتي التي كانت كخيالي في السيارة والمكتب وغرفة نومي، إلا أني لم أكن أعرف أن كان أي منهما جاهز للاستعمال أو لا وأقسم اني لم اطلق اي طلقة بدءا من عام ١٩٨٥ حيث فعلت بمناسبة بعينها كان وقتها لابد من اشارك القوم الذين جنوا، ووصلت لمكان أن عقلي لن ينفعني وقتها ...

في مدريد حملت حياتي اليومية مزيجاً من الغربة والترقب، وكأن الزمن كله كان معلقاً بين أخبار تصل من بعيد وصمت طويل يحيط بكل شيء، في تلك الفترة، كنت أتعرف على الناس في المدينة كما يتعرف الغريب على عالم جديد، لا يعرف عنه سوى ما يظهر على السطح

هناك التقيت شاباً تركياً، قال اني يراني في قناة الجزيرة بدأت معرفتنا عابرة، ثم تحولت شيئاً فشيئاً إلى صداقة بسيطة تقوم على الأحاديث اليومية وتبادل الحكايات عن الحياة في الغربة، وكيف يرى كل منا بلده من الخارج، وكيف تتغير صورة الأوطان حين تُرى من مسافة بعيدة...

في أحد الأيام، اقترب مني بجدية غير مألوفة، وكأنه يحمل أمراً أكبر من حجمه بكثير، تحدث بلغة عربية متكسرة، ممزوجة بلهجته الخاصة، وقال ما يشبه التحذير، وكأنه يظن أن بإمكاني أن أنقل رسائل إلى أعلى مستويات القرار في بلدي، وهذا ما كان قد فهمه من مشاركاتي في الفضائيات فقد ظن أن لي طريقاً مباشراً إلى مركز السلطة في الداخل، وربما إلى القصر الجمهوري والى بشار الأسد شخصياً

ابتسمت حينها ابتسامة هادئة، لا سخرية فيها بقدر ما فيها إدراك لمدى الفجوة بين التصورات والواقع، فكرة أن شخصاً في مكان بعيد يمكن أن يملك " خطاً مباشراً "مع رأس الدولة كانت بالنسبة لي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه كانت تعكس تصوراً شائعاً عند كثيرين عن طبيعة السلطة ومن يقترب منها...

تابع حديثه وهو يروي انطباعاته عن العلاقات بين أنقرة ودمشق، وعن السياسة وتقلباتها، مستخدماً لغة بسيطة لكنها مشحونة بثقة من يظن أنه يقرأ ما بين السطور، كان يتحدث عن السياسيين وكأنه يعرف خفاياهم، ويقدم نصائح مبنية على صورة ذهنية أكثر منها على معرفة دقيقة.. 

لكن ما بقي في ذهني لم يكن تفاصيل الكلام بقدر ما كان تلك الفكرة الراسخة عنده وهي :
"  أن بعض الناس يولدون أو يعيشون في دائرة قريبة من السلطة، وأنهم قادرون على الوصول أو التأثير بمجرد وجودهم في تلك الدائرة "...
 هذا التصور كان يعكس خيالاً اجتماعياً أكثر مما يعكس واقعاً فعلياً...

ومع الوقت، كنت أرى كيف تُبنى مثل هذه الصور في أذهان الناس، خاصة في أزمنة الاضطراب والحرب، حين يصبح كل شيء غامضاً، وتُملأ الفراغات بالشائعات والتوقعات، في مثل تلك الظروف، تتضخم فكرة القرب من السلطة، وتُنسج حولها حكايات لا تستند إلى معرفة حقيقية...

أما الواقع الذي عشته، فكان أبسط بكثير وأقسى في آن واحد وهو :
حياة عادية، بعيدة عن كل تلك التصورات التي تتحدث عن امتيازات أو قنوات اتصال خاصة، حيث كان الناس يحاولون أن يجدوا طريقهم في الحياة بجهدهم الشخصي، لا عبر         " خطوط ساخنة "متخيلة...

ومع مرور التجربة، أدركت أن السلطة في النهاية ليست تلك الصورة التي يرسمها الخيال الشعبي، بل هي منظومة معقدة، لا تمنح القرب بسهولة، ولا تفتح أبوابها كما يتصور البعض، والناس من حولها، مهما اختلفت مواقعهم، يظلون أسرى تصوراتهم عنها، يبالغون في رسم القرب أو البعد، ويصنعون حولها عوالم كاملة من الظن...

ومن تلك الحادثة البسيطة في مدريد، خرجت بفهم أعمق لطبيعة العلاقة بين الناس والسلطة، علاقة يغلب عليها الخيال حين يغيب اليقين، ويملؤها التصور حين يندر الفهم المباشر، بينما الحقيقة دائماً أكثر هدوءاً وتعقيداً مما يُروى عنها.