ظلال المدافع... هدير الدم والندوب

Salah Kirata • ٢٠‏/٦‏/٢٠٢٦

49545.png


ظلال المدافع...
هدير الدم والندوب:
بقلم.
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية 

بدت ليلة السادسة عشرة من حزيران لعام 1979 في حلب وكأنها ليلة اعتيادية أخرى تنام في حضن الشرق، حيث كان الغبار العتيق يترسب على جدران كلية المدفعية، وكنا كطلاب الضباط نخلد إلى طمأنينة الشباب وأحلام الخدمة والوطن، لم يكن في الأفق ما يشير إلى أن بركاناً سياسياً يوشك أن ينفجر، ولم تكن سورية حينها قد دخلت بعد في دوامة السجون والمواجهات الكبرى أو صخب الهتافات في الساحات؛ كانت الصراعات حكراً على المكاتب المغلقة والغرف السياسية، بينما كانت شوارع المدن تنبض بحياة رتيبة، لكن خلف تلك التهدئة الظاهرية، كان هناك عقل دمج بين الأيديولوجيا والدم يتحرك في الخفاء، ينسج خيوط مؤامرة صامتة يقودها تنظيم "الإخوان المسلمون"، وبتنسيق كامل و مباشر مع الضابط المناوب إبراهيم اليوسف، الذي لم يكن أحد يشك في ولائه أو يدرك عمق السادية والدوافع الطائفية التي تختلج في صدره...
في لحظة خاطفة تحولت الطمأنينة إلى كابوس مرعب، حيث تقدم اليوسف بخطى باردة وواثقة مستغلاً سلطته، ليفرز الطلاب على أساس طائفي ومذهبي لكن غير  دقيق،  فهو عندما عزل أبناء الطائفة العلوية في زاوية ضيقة كان قد اعتمد مكان الولادة في ذاتيات طلاب الضباط، وهذا مؤشر غير دقيق ولا يمكن من خلاله المعرفة الدقيقة للانتماء الطائفي لأي طالب... ليعلن دون أي استفزاز مسبق أو مبرر وطني عن بدء مجزرة مروعة، لقد انهمرت رصاصات الغدر كالمطر في غضون عشر دقائق قاسية، محولةً قاعة العلم إلى مسلخ بشري، ومسقطةً عشرات الطلاب الذين كان من المفترض أن يوجهوا مدافعهم نحو جبهات المواجهة مع إسرائيل، ليتلاشى طموحهم في ثوانٍ معدودات ويتحولوا إلى ضحايا صراع مذهبي فُرض عليهم فرضاً، كانت تلك الرصاصات بمثابة الصدمة الكهربائية التي هزت أركان دمشق، وأجبرت الرئيس حافظ الأسد، الذي كان يسعى لتجنب المواجهة العنيفة وحصر الخلافات في الإطار السياسي، على قبول التحدي الدموي والدخول في حرب دفاعية شرسة لم يختر توقيتها ولا مكانها، لتبدأ من تلك اللحظة ملحمة مطاردة التنظيم الذي اختار السلاح لغة وحيدة للحوار.
تجاوزت أصداء الرصاص حدود المدرسة ومحيط حلب، لترتبط بخيوط غير مرئية تمتد إلى أروقة السياسة الدولية وصراعات المنطقة؛ فالمجزرة لم تكن معزولة عن سياق الرفض السوري الحاسم لاتفاقية "كامب ديفيد" التي وقعها السادات مع بيغن قبل أشهر قليلة، بدا الأمر وكأن التنظيم قد تحرك بأوامر خفية لإشغال القيادة السورية وثنيها عن حشد الرفض العربي لتلك المعاهدة، محققاً نبوءة السادات السابقة بأن دماءً كثيرة ستسيل في سورية، ليظهر "الإخوان" في المشهد كأداة وظيفية تخدم مصالح أعداء البلاد في لحظات منعطفاتها التاريخية، ومع تصاعد وتيرة الملاحقة الأمنية، شرعت الآلة الإعلامية للتنظيم في قلب الحقائق، مصورةً القاتل السادي ضحية ومدافعةً عن حرية مزعومة، ممهدةً الطريق لسنوات طويلة من النزيف والادعاءات والقصص المفبركة التي تلاحقت عبر العقود—من أساطير أطفال درعا إلى حكايات القاشوش وحمزة الخطيب—والتي لم تكن سوى امتداد لشرارة الدم الأولى التي أُشعلت في حلب، ورغم فداحة الجرح وعمق الندوب الطائفية التي خلفتها تلك الليلة، ظل الإصرار السوري ينبض وسط الركام، مؤكداً أن الأرض التي شهدت ولادة المؤامرة ستبقى عصية على التمزيق، وأن التاريخ الذي كُتب بالدم والغدر سيتكفل دائمًا بكشف الوجوه الحقيقية لمن باعوا الأوطان في سوق الصراعات الإقليمية.