الثقافة والفن

وداعًا... إلى حين

نُشر في ٦‏/٧‏/٢٠٢٦، ٩:١٠:٠٩ م

54749.png
وداعًا... إلى حين

ما كان حبُّكِ يومًا نزوةَ قلبٍ عابر، ولا ومضةَ شوقٍ سرعان ما يخبو ضياؤها، بل كان آيةً من آيات الرحمة أودعها الله في قلبي، فأنارت عتماته، وأكسبت أيامي معنًى ما كنت لأعرفه لولاكِ.

أحببتكِ كما تُحب الأرواحُ أوطانَها الأولى؛ بلا شرط، ولا حساب، ولا انتظار لمقابل. رأيت فيكِ صفاءً يعلو على ضجيج الحياة، وسكينةً كانت إذا لامست روحي هدأت فيها العواصف، واستقامت بها الفوضى، حتى خُيِّل إليَّ أن بعض النعم لا تُوهب للإنسان إلا مرةً واحدة.

ثم شاءت المقادير أن تتباعد الطرق، وأن يمضي كلٌّ منا في سبيلٍ لم يختره بكامل إرادته. ولم يكن الفراق عندي سقوطًا للحب، بل امتحانًا له؛ فإن كان الحب صادقًا، بقي نقيًّا وإن حالت بين المحبين المسافات، وإن سدّت الأقدار كل الأبواب.

لهذا، فلست أحمل في قلبي عليكِ لومًا، ولا أستقبل ذكراكِ بمرارة. فما كان بيننا أجلُّ من أن تُدنِّسه الخصومة، وأسمى من أن تُطفئه قسوة الأيام. سيظل اسمكِ عندي مقرونًا بكل جميل، وستبقى صورتكِ في وجداني كما عرفتها أول مرة؛ طاهرةً، وديعةً، مشرقةً كفجرٍ لا تغشاه الغيوم.

لقد أدركت أن الإنسان قد يُحرَم في الدنيا مما أحب، لا لأن الحب كان ناقصًا، ولكن لأن حكمة الله أوسع من مدارك القلوب، وأن ما يختاره الله لعباده، وإن أثقلته الدموع، هو الخير الذي لا تبلغه أبصارهم.

ولذلك، لا أقول لكِ وداعًا بمعناه الذي يقطعه النسيان، وإنما أقول: إلى لقاءٍ يعلمه الله، إن لم يكن في هذه الأرض التي ضاقت بنا، ففي سمائه التي لا يضيع فيها الصادقون، ولا تنكسر فيها القلوب المؤمنة برحمة ربها.

وسأبقى، ما امتد بي العمر، أوفي لذلك العهد الذي عقدته في قلبي يوم أحببتكِ؛ عهد المحبة الخالصة، والدعاء الصامت، والذكر الجميل. فإن اجتمعنا يومًا، حمدتُ الله على فضله، وإن حالت بيننا الدنيا إلى آخر الطريق، فحسبي أنني أحببتكِ حبًا لا يعرف الخيانة، ولا يبدله الزمن، ولا تنال منه الأيام.

أسأل الله، الذي لم يشأ أن يجمع بيننا في أرضه، أن يجمع بين أرواحنا عليائه، حيث لا فراق بعد لقاء، ولا حزن بعد سرور، ولا دمعة بعد نعيم، وأن يجعل ما كان بيننا من صدق المودة شاهدًا لنا لا علينا، وأن يرزقنا لقاءً أبديًا في جنات الخلد، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

سلامٌ عليكِ ما تعاقب الليل والنهار، وسلامٌ على قصةٍ لم تمت، لأنها لم تكن حكايةَ قلبين فحسب، بل كانت دعاءً لا يزال يصعد إلى السماء، ورجاءً لا يزال معلَّقًا برحمة الله التي وسعت كل شيء.